جونسون ... ترامب البریطانی




بفوز بوریس جونسون برئاسة وزراء بریطانیا خلفاً لتریزا مای، تکون موضة الرؤساء المهرجین، قد حققت إقبالاً جماهیریاً ساحقاً، وأصبح موسم «الترامبیة» ظاهرة عالمیة، عابرة للقارات، تقوم على الزعماء الملاکمین والمصارعین والمشاکسین والمستفزین، الذین یملأون الدنیا سباباً وشتماً، وصخباً، ویفتعلون المشاکل مع القضاء ورجال الإعلام، والمؤسسات الاقتصادیة، والأجهزة الأمنیة.. لأنهم ببساطة أدرکوا أن هذا ما یطلبه المستمعون «الناخبون»، الذین ملوا من الرؤساء والساسة النمطیین، والدبلوماسیة الراکزة والموزونة.
فهناک شریحة واسعة فی الجمهور الغربی أصابها الضجر والملل من السیاسة الوقورة، والأسالیب الدبلوماسیة المنتقاة فی تصرفاتها وعباراتها، وصار یعجبهم أسلوب «الصفع على الوجه»، والسیاسة منزوعة الدسم من اللیاقة والکیاسة. إذاً التشابه بین جونسون وترامب، لیس صدفة، ولا یتعلق فقط بالمظهر الخارجی والشعر المنکوش، والشغف المنفلت بالاستعراض إلى حد التهریج، وعدم ضبط النفس، بل بالخیارات الشعبویة، والانعزال عن الآخر، والمواقف المستفزة، والتصریحات الفجة الجارحة، والقنابل الموقوتة ضد الأقلیات وکل من یختلف معه، والعجز عن ترتیب الأفکار. إنه باختصار الاستنساخ البریطانی للترامبیة. وفی ظروف أخرى کان الإنجلیز سیطلقون على جونسون: غریب الأطوار، لکن فی هذه اللحظة التی أصبح الخروج من الاتحاد الأوروبی یعادل انتصار بریطانیا فی الحربین العالمیتین الکبریین، فإن جونسون سیصبح البطل المنقذ، الذی سیخلص الجزیرة الهادئة من الغرباء والدخلاء.
وبوصول حکم بریطانیا إلى ید جونسون، تکون المملکة المتحدة قد انتقلت من وسط الیمین إلى یمین الیمین، وهو مساحة جدیدة من المتمردین على المؤسسات اللیبرالیة القائمة، وتحالف المتطرفین من مختلف الاتجاهات لتدمیر قوى الوسط، وبحث عن الهویة البریطانیة بعیدا عن أوروبا، فی بلد یعیش على أوهام تاریخ مضى والحنین إلى الإمبراطوریة.
وتحاول بریطانیا الآن نفض یدها من شریکها الأوروبی التی تعایشت معه على مضض، ومد یدها إلى حلیف أمیرکی طالما اعتبرته صدیقها الممیز، وحلیفها الإستراتیجی، فی صورة هزیلة، تتناقض مع صورة بلد عریق حکمه ونستون تشرشل، وکلمینیت أتلی، وأطلق ثورة صناعیة کانت محرک الانتقال الأوروبی من عصر لعصر. غیر أن علینا أن لا ننسى، أن معرکة الخروج من الاتحاد الأوروبی حصدت رئیسین للوزراء قبل وصولها إلى ید بوریس جونسون: دیفید کامیرون الذی کان وراء الاستفتاء على عضویة الاتحاد، واستقال بعدما خسر الرهان على البقاء، ثم تیریزا مای التی فاوضت الاتحاد الأوروبی على اتفاق ینظم عملیة الخروج، لکنها فشلت فی کسب ثقة البرلمان، فاضطرت هی أیضاً للاستقالة. والآن یواجه بوریس جونسون تحدی تنفیذ التزامه بإخراج بریطانیا من الاتحاد، باتفاق أو من دون اتفاق و«مهما کلَّف الأمر» بحلول 31 من أکتوبر القادم، کما قال.
لکن أمام هذا التحدی عوائق کثیرة بدأ رئیس الوزراء الجدید یکتشفها منذ الأسبوع الأول لتولیه السلطة. أهم العوائق تأثیر هذا القرار على وحدة الکیان البریطانی، وما یمکن أن یعقبه من احتمال انفصال اسکتلندا عن المملکة المتحدة، بعدما صوتت أکثریة أبنائها ضد الخروج من الاتحاد الأوروبی. ومشکلة الحدود الأیرلندیة، هذه الحدود ستصبح آخر معبر بری بین بریطانیا والاتحاد بعد خروجها منه، ما یفترض رقابة على البضائع التی تعبره، وهو أمر صعب التحقیق بسبب الاتفاق الذی قام بین أطراف الأزمة الداخلیة فی ایرلندا الشمالیة. ویرید الاتحاد الأوروبی ضمانًا لإبقاء الحدود مفتوحة بین أیرلندا الشمالیة وجمهوریة أیرلندا. وینطوی هذا الضمان على إیجاد طریقة لمحاسبة بریطانیا عند مخالفة تعهداتها. ومن هنا جاءت شروط ما یُعرف بـ «شبکة الأمان» «باکستوب»، والتی لا یمکن إلغاؤها إلا باتفاق بین الطرفین - وهو ترتیب وصفه مؤیدو البریکست المتشددون الذین خربوا صفقة تیریزا مای بالتبعیة.
ومع انتخاب جونسون غادرت بریطانیا مربع النقاش الذی دار فی أوروبا بعد سقوط الاتحاد السوفیاتی وانتهاء الحرب الباردة. وفی النقاش الذی دار کانت هناک مدرستان: تعمیق الاتحاد، وتوسیعه. التعمیق کان یعنی السیر قدما فی اتجاه الولایات المتحدة الأوروبیة فی واحدة من أهم عملیات الهندسة السیاسیة فی العلاقات الدولیة بخطوات مثل إقامة بنک مرکزی موحد، وطرح عملة مشترکة «الیورو»، ونظام «الشنغن» الذی یجعل دول الاتحاد وحدة جمرکیة أمنیا واقتصادیا. أما التوسیع فکان قد ضم کل الدول التی خرجت من عباءة حلف وارسو، وتحررت من الشیوعیة، إلى  الاتحاد الأوروبی وفق خطوات. کانت بریطانیا معارضة للتعمیق، ومحبذة للتوسیع، لأن نظرتها للاتحاد الأوروبی کانت ذات طبیعة إستراتیجیة مهمتها مناوأة الإمبراطوریة الروسیة، وربما أیضا منع ألمانیا من قیادة أوروبا تحت العباءة الاقتصادیة. وسیحمل تاریخ انتخاب جونسون، ما یمکن تسمیته بالولایة الرابعة للسیدة ثاتشر، تلک التی لم تتمکن تاتشر من الحصول علیها. فتتجه بریطانیا نحو مزید من خفض الضرائب والخصخصة وتحریر الاقتصاد ودولة أصغر حجماً وإضعاف لحقوق العمال.
خطابات جونسون، فی داوننغ ستریت  ومانشستر، تفیض بالمبالغات، وهی لیست من قماشة الزعماء البریطانیین، الذی نفضوا التراب عن القوة الکامنة فی الأمة. قوة ظهرت مرتین فقط فی القرن العشرین على ید ونستون تشرشل فی 1940 الذی أنقذ العالم من الفاشیة، وحکومة ثاتشر بالتخلص ممن سمتهم «المبتلّین بالماء» لتنفذ خطتها لإنقاذ الاقتصاد السیئ.
المؤسسة اللیبرالیة الحاکمة والصحافة، المتواطئتان مع الاتحاد الأوروبی، جمیعهم یکرهون ما یحمله جونسون المهرج من العنصریة والیمینیة، ویخشون من عملیة التطهیر الأیدیولوجی الذی یقودها جونسون، مخلصاً مجلس الوزراء من الموالین لبروکسل والذین ظلوا یشککون فی قدرة الأمة على النجاح خارج الاتحاد الأوروبی.
وکان ملفتا للنظر، أن یکون ضمن فریق جونسون، أعضاء من الذین کتبوا مجموعة من المقالات الیمینیة عام 2012 نُشرت بعنوان «بریطانیا أنلیشد» : «نحن البریطانیین من أکسل الناس فی العالم. فنحن نعمل أقل عددٍ من الساعات ونتقاعد باکراً وننتج القلیل، وفیما یصبو الأطفال الهنود لأن یصبحوا أطباء أو رجال أعمال، ینحصر اهتمام أقرانهم فی بریطانیا بکرة القدم وموسیقى البوب».
عبیر بشیر