وقفات مع أول میثاق عالمی للحقوق

لبیک اللهم لبیک.. لبیک لا شریک لک لبیک.. إن الحمد والنعمة لک والملک.. لا شریک لک.. شعار وفد الله الآن فی المشاعر المقدسة، تلهج به قلوبهم وألسنتهم وحناجرهم، فی خضوع وذل وحمد لله، اعترافًا منهم بأن الملک کله لله وحده، تلبیة واستجابة لنداء ودعوة نبی الله وخلیله إبراهیم علیه السلام: «وَأَذِّنْ فِی النَّاسِ بِالْحَجِّ یَأْتُوکَ رِجَالًا وَعَلَى کُلِّ ضَامِرٍ یَأْتِینَ مِنْ کُلِّ فَجٍّ عَمِیقٍ»، یلبونه راجین رحمته وعفوه وغفرانه، ویلبی معهم الحجر والشجر والمدر، مصداقًا لقول النبی: «ما من مسلم یلبی إلا لبى من عن یمینه أو عن شماله من حجر أو شجر أو مدر، حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا».
إنها أیام مبارکات، تتسم بالخیرات وکمال الدین، فیها وضع نبینا وحبیبنا لأمته أول میثاق عالمی للحقوق، ووالذی نفسی بیده لکأننا معه «صلى الله علیه وآله وسلم»، وبین جموع المسلمین نستمع إلى آخر وصایاه للأمة، ذارفین الدموع، وهو یودعنا وداعه الأخیر الذی لن نلقاه بعده إلا یوم القیامة وعلى حوضه الشریف، ویا لحسرة من سیحرم من هذا بذنوبه، أعاذنا الله تعالى وعافانا.
کان مما جاء فیها قوله: «أیها الناس اسمعوا قولی فإنی لا أدرى لعلی لا ألقاکم بعد عامی هذا بهذا الموقف أبدًا، أیها الناس إن دماءکم وأموالکم علیکم حرام إلى أن تلقوا ربکم کحرمة یومکم هذا وکحرمة شهرکم هذا وإنکم ستلقون ربکم فیسألکم عن أعمالکم وقد بلغت فمن کان عنده أمانة فلیؤدها إلى من ائتمنه علیها، وإن کل ربا موضوع، ولکن لکم رؤوس أموالکم لا تظلِمون ولا تظلَمون قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا عباس بن عبدالمطلب موضوع کله، وإن کل دم کان فی الجاهلیة موضوع، وإن أول دمائکم أضع دم ابن ربیعة بن الحارث بن عبدالمطلب».
فکان أول ما حرّم على أمته دماءهم وأعراضهم، وأن حرمتهم أشد من حرمة الکعبة المشرفة، وهذا الیوم الجلیل یوم عرفة، وشهر الله الحرام ذو الحجة، ثم حرم الربا، تأکیدًا على حرمته تعالى له: «وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَیْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا»، وقول الأسوة الحسنة: «لعن الله آکل الربا وموکله وشاهدیه وکاتبه هم فیه سواء»، ولو تمعن الناس متدبرین هذا الکلام، لما وجدنا أحدًا یتعدى على أحد بالباطل، ولما سفکت الدماء، ولما سرقت ونهبت الأموال، ولما أضحت الأمة القوی فیها یأکل ویجور على الضعیف.
ثم یستوصی بالنساء خیرًا فی هذا الموقف الجامع: «أما بعد أیها الناس فإن لکم على نسائکم حقًا، ولهن علیکم حقًا لکم علیهن ألا یوطئن فرشکم أحدًا تکرهونه، وعلیهن ألا یأتین بفاحشة مبینة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لکم أن تهجروهن فی المضاجع، وتضربوهن ضربًا غیر مبرحٍ، فإن انتهین فلهن رزقهن وکسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خیرًا فإنهن عندکم عوان لا یملکن لأنفسهن شیئًا، وإنکم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بکلمات الله، فاعقلوا أیها الناس قولی فإنی قد بلغت».
فیوصی بحفظ حقوقهن، التی کثیرًا ما تتعرض الآن لجور وبطش عظیم ممن لا یراعون الله فی نسائهم.
ثم ها هو ذا یوصینا بالاعتصام بالدین، الذی ترکته الأمة، وأعرضت عنه -إلا من رحم- وبإعلاء قیمة الإخوة والاستمساک بها، وعدم ظلم بعضنا بعضًا، فیقول: «وقد ترکت فیکم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا، کتاب الله وسنة نبیه، أیها الناس اسمعوا قولی واعقلوه، تعلمن أن کل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمین إخوة فلا یحل لامرئ من أخیه إلا ما أعطاه عن طیب نفس منه، فلا تظلمن أنفسکم، اللهم هل بلغت فذکر لی أن الناس قالوا اللهم نعم، فقال رسول الله اللهم اشهد.
ثم یقر للعالم والبشریة جمعاء قانون ومبدأ المساواة بین الجمیع، مسطرًا وواضعًا «صلى الله علیه وسلم» قانونًا ومیثاقًا من أعظم قوانین الإنسانیة ومواثیقها، وهو قانون ومیثاق المساواة بین البشر، ونبذ العنصریة والطبقیة، وعدم الاعتبار مطلقًا بالفروق الجنسیة والعرقیة واللونیة، فالناس سواسیة کأسنان المشط، لا تفاضل بینهم إلا بالتقوى والعمل الصالح، فیقول فی رقی لم تشهده البشریة قبله ولا بعده: «یا أیها الناس إن ربکم واحد وإن أباکم واحد ألا لا فضل لعربی على أعجمی ولا أعجمی على عربی ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، إن أکرمکم عند الله أتقاکم، ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى یا رسول الله قال: فیبلغ الشاهد الغائب»، إن الله قد أعطى کل ذی حق حقه فلا وصیة لوارث، الولد للفراش وللعاهر الحجر وحسابهم على الله»، ولما فرغ من خطبته نزل علیه قوله تعالى: «الْیَوْمَ أَکْمَلْتُ لَکُمْ دِینَکُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَیْکُمْ نِعْمَتِی وَرَضِیتُ لَکُمُ الْإِسْلَامَ دِینًا»، وعندما سمعها الفاروق عمر بکى، فقیل له: ما یبکیک؟ قال: إنه لیس بعد الکمال إلا النقصان.
وبعدما أقر نبینا مواثیقه العالمیة لأمته وللبشریة کلها فی خطبته، قال للصحابة: «وأنتم تُسألون عنی، فما أنتم قائلون؟» قالوا، ونحن معهم مقرین: «نشهد أنک قد بلغت رسالات ربک، وأدیت، ونصحت لأمتک، وقضیت الذی علیک»، فقال بإصبعه السبابة، یرفعها إلى السماء وینکتها إلى الناس: «اللهم اشهد، اللهم اشهد»..
کل عام وشعبنا وکل أمتنا بخیر وطاعة ورخاء وبرکة واعتصام بدینها ورسولها، وعید سعید علینا جمیعا یا رب.
أحمد نور الدین