صفقة القرن: بین الفتن الداخلیة والحروب



استضافت مؤخراً عاصمة البحرین المنامة، بالشراکة مع الولایات المتحدة، ورشة عمل تحت عنوان «السلام من أجل الإزدهار» یومی 25 و 26 حزیران/ یونیو الماضی، ورکزت هذه الورشة على الشق الاقتصادی من «صفقة القرن»، بهدف التشجیع على الإستثمار فی المناطق الفلسطینیة، وشارک فی الورشة کل من السعودیة والإمارات ومصر والأردن والمغرب وقطر، ومسؤولون سیاسیون ورجال أعمال، وممثلون عن منظمات المجتمع المدنی، فیما غابت قوى دولیة أساسیة وفی طلیعتها الصین وروسیا.
السلطة الفلسطینیة لم تشارک، لأنها اعتبرت أن السلام الاقتصادی الذی یدعو له المؤتمر یجب ألا یسبق السلام السیاسی، ولأن المؤتمر، بحسب الإعتقاد الفلسطینی یهدف الى:
ـ الضغط على الفلسطینیین لتمریر «صفقة القرن»، وإضفاء شرعیة أمیرکیة ودولیة على إستمرار الإحتلال، ومحاولة لفرض التطبیع بین العرب و»إسرائیل”.
ـ إشغال المنطقة بالقضایا الاقتصادیة والإنسانیة، والفتن الطائفیة، على حساب حقوق وثوابت الشعب الفلسطینی، فی مسعى لإدماج» إسرائیل» اقتصادیا وسیاسیا وأمنیا فی المنطقة.
ـ تصفیة وکالة غوث وتشغیل اللاجئین الفلسطینیین الأممیة «الأونروا»، والإستعاضة عن أنظمتها فی مجال التعلیم وتوزیع الأغذیة ببرامج تطویر تنفذها منظمات غیر حکومیة دولیة.
ومسبقاً، أعلنت الإدارة الأمیرکیة أن المؤتمر لا یشکل بدیلا للحل السیاسی للقضیة الفلسطینیة، وأن الفکرة التی تعمل علیها هی تأمین الإلتزامات المالیة من دول الخلیج الفارسی الغنیة، والمانحین فی أوروبا وآسیا، لحث الفلسطینیین وحلفائهم على تقدیم تنازلات سیاسیة لحل النزاع، وتتضمن الخطة أربعة عناصر هی: البنیة التحتیة، الصناعة، والتمکین والإستثمار فی الشعوب، إضافة إلى الإصلاحات الحکومیة، لإیجاد بیئة جاذبة للإستثمار فی المنطقة.
هناک إعتقاد أن الترکیز حالیا على الجانب الاقتصادی یندرج فی إطار «التکتیک التسویقی» الذی یتحیّن اللحظة المناسبة للإعلان عن «صفقة القرن» وفرضها باعتبارها أمرا واقعا، واللحظة المؤاتیة لتکریس «صفقة القرن» هی فی مؤتمر المنامة. فالولایات المتحدة و»إسرائیل» عمدتا بشکل غیر مسبوق خلال الأشهر الماضیة إلى فرض ضغوط مالیة على السلطة الفلسطینیة، التی تعارض بقوة خطة السلام الأمیرکیة. لکن سلاح الاقتصاد لا یستخدم فقط ضد الفلسطینیین، بل ضد کل الدول العربیة المعنیة بالقضیة الفلسطینیة مباشرة.
فبالنسبة إلى الأردن، فهو یعنی لـ»إسرائیل» أکثر مما یعنیه أی بلد عربی آخر لخصوصیته الجیوسیاسیة، والإستقرار فی الأردن مهم لـ»إسرائیل» بسبب إرتباطه المباشر بأمنها القومی ومستقبل القضیة الفلسطینیة. هذه الخصوصیة الجیوسیاسیة للأردن، النابعة من تموضعه بین أھم مصلحتین استراتیجیتین للغرب فی المنطقة: النفط و»إسرائیل»، إضافة إلى احتضانه الجزء الأکبر من اللاجئین الفلسطینیین منذ 1948، کلها تفرض له دورا مرکزیا قهریا فی مستقبل القضیة، فهو یشکل مدخلا رئیسا لأی سیناریو یرسم للمستقبل الفلسطینی.
وفیما یخص الموقف اللبنانی، فقد رأت مصادر سیاسیة قریبة من عین التینة أن لبنان سیکون مستهدفا بالصفقة بالتأکید، وإنطلاقا من ذلک، فإن الخطر الحقیقی على لبنان من بوابة «صفقة القرن» لا یکمن فی الأساس بالمستوى المتصل بالتوطین، وإنما فی إحتمالات أن یکون تفجیر الوضع الداخلی فی لبنان، سواء بفتن داخلیة أو بحرب إسرائیلیة، بوابة لإمرار الصفقة الأمیرکیة، فی حال تعثر إمرارها بالمؤتمرات الاقتصادیة والحراکات السیاسیة، خصوصاً أن للبنان تجارب کثیرة فی هذا الإطار، حین یتعلق الأمر بإمرار الصفقات الإقلیمیة الکبرى.
وهنا یبرز سؤال حول احتمالیة فشل تمریر «صفقة القرن»؟
فنتنیاهو الذی لم یستثمر بشکل جید دعم ترامب وبوتین اللذین أغدقا الهدایا علیه، أخطأ فی الدعوة الى انتخابات معادة، وسرعان ما اشتد الخناق حول عنقه مع تحریک ملفات الفساد ضده وانفضاض حلفائه من حوله، وقیام خارطة سیاسیة جدیدة قوامها «حزب الجنرالات» الذین یقودهم الجنرال بینی غانتس، واتسعت دائرتهم أخیرا مع نزول إیهود باراک الى الساحة وسعیه الى توحید أحزاب الیسار جمیعا فی تکتل واحد یعزز قوى المعارضة ویسقط حکم نتنیاهو.
وإذا فشل نتنیاهو فی الانتخابات أو فی الحکومة، فإن ترامب یخسر حلیفا أساسیا وتکون «صفقة القرن» فقدت المرتکز الإسرائیلی لها. کما أن الأمیرکیین لم یحسبوها جیدا، ولم یتوقعوا أن تصطدم «صفقة القرن» بموقف فلسطینی واحد ومقفل وعصی على أی خرق أو شرخ، وبموقف عربی یحجم عن ممارسة أی ضغوط على الفلسطینیین ولا یقبل إلا ما یقبلونه، کل ذلک، شکل جرس إنذار لإدارة ترامب التی بدأت تشکک فی ظروف ومقوّمات نجاح «صفقة القرن» وتتجه الى تأجیل الإعلان عن شقها السیاسی.
فی الواقع، ثمة رأیان حول مؤتمر البحرین حول «صفقة القرن”:
ـ الأول: یعتبر أن المؤتمر هو أول محفل رسمی یناقش «صفقة القرن»، ویکشف عن ملامحهاح للمرة الأولى.
ـ الثانی: یقول إن أجواء المؤتمر بدأت تتلبّد، والتعثّر بدأ یظهر لأسباب عدة، أبرزها الوضع الإسرائیلی الذی یقلق واشنطن، إذ یدرک ترامب أن الذهاب الى انتخابات إسرائیلیة جدیدة یعنی الذهاب الى المجهول وسقوط مشروعه «صفقة القرن. کما أن «الدولة العمیقة» فی «إسرائیل» تعلن رفضها لـ»صفقة القرن» بأسلوب آخر. وللخروج من هذه الأزمة، قد یلجأ نتنیاهو الى عملیات عسکریة جویة ضد غزة کونه وزیر الدفاع. والحاجة الى هذه الحملة الجویة ستکون بهدف خلق واقع فلسطینی جدید، والحصول على أوراق قوة بعد الخسائر التی منی بها خلال مرحلة تألیف الحکومة.
من الواضح، أن «صفقة القرن»، وبمعزل عن الانتخابات الإسرائیلیة ونتائجها، کانت قد تلقت ضربات متلاحقة لتصبح فی حال ترنح واحتضار، خصوصا بعدما فشل مؤتمر البحرین فی تحقیق أهدافه. ونجح الفلسطینیون فی الحصول على مواقف سیاسیة عربیة داعمة. فالمقاطعة الفلسطینیة لمؤتمر البحرین کانت کافیة لضرب «شرعیته» باعتبار أن أحد طرفی الصراع والمعنی الأول لیس موجودا. فی الوقت نفسه، حاول جارید کوشنیر مستشار ترامب وصهره ومهندس هذه «الورشة الاقتصادیة» التسویق للمؤتمر وأهدافه فی ضوء المقاطعة الفلسطینیة له التی اعتبرها «خطأ استراتیجیا»، وفی ضوء الإرتباک العربی فی التعاطی معه، والذی ظهر فی مستوى التمثیل، عاکسا مشارکة رمزیة ومقرونة بالتأکید على حل الدولتین والقبول بما یقبل به الفلسطینیون. وذهبت صحیفة «الغاردیان» البریطانیة، إلى القول بأن الخطة الاقتصادیة التی طرحها کوشنر، «مسرحیة هزلیة»، تستحق «الاستقبال الساخر» الذی لاقته.
بهذه الملامح الأولیة، تمضی «ورشة المنامة»على فشلها، على سوابق مماثلة، من المؤاتمرات والاتفاقیات بشأن القضیة الفلسطینیة، فمن خلال هذه الصفقة، سعت « إسرائیل» لشطب قضایا الصراع ومرکباته، القدس والدولة الفلسطینیة واللاجئین الفلسطینیین والمیاه وغیرها، وتحویلهال إلى مشاریع اقتصادیة إسرائیلیة ـ فلسطینیة ـ عربیة، تساهم فی تطویر الاقتصاد الإسرائیلی، عبر اختراق الدول العربیة وغزوها اقتصادیا وثقافیا وأمنیا. کما حاولت تقدیم رشاوى لبعض الدول العربیة بغرض إقناعها بالمشارکة فی الحل الاقتصادی الذی یمثل جوهر صفقة ترامب التی تنوی الإدارة الأمیرکیة الإعلان عنهان فی الفترة المقبلة. فهل ستنجح الإدارة الأمریکیة فی ذلک، فلننتظر؟
سرکیس أبوزید