اوروبا ولعبة الشرطی السیء والصالح مع ایران


الاتصال الهاتفی الذی اجراه الرئیس الفرنسی مع نظیره الایرانی وقیل إنه حمل مقترحات لطهران یحثها على البقاء فی الاتفاق النووی، أثار فی الظاهر، حفیظة سمسار البیت الابیض، الى درجة ان الأخیر المعروف بنزقه وتخبطه السیاسی، سرعان ما نشر تغریدة انتقد فیها ماکرون بشدة معیدا تخرصاته حول استعداد طهران للحوار مع واشنطن.
لسنا فی وارد الرد على ترامب ومن لف لفه فی الادارة الامریکیة من افاکین وخراصین، کذبهم بات اوضح من الشمس فی رابعة النهار، بل نحاول هنا التمحیص عن مدى مصداقیة العواصم الاوروبیة ومقترحاتها التی تقدمها لایران بغیة تشجیعها على البقاء فی الاتفاق النووی.
مضى اکثر من عام على انسحاب امریکا من الاتفاق النووی بشکل احادی ضاربة عرض الحائط بالمواثیق الدولیة ومعیدة حظرا جائرا على طهران فی محاولة لإنهاکها، وفی المقابل ماذا فعلت الاطراف الاخرى للحفاظ على هذا الاتفاق الدولی؟ لا شیء سوى الوعود الفارغة التی لا تغنی ولا تسمن من جوع، وخیر دلیل علیها الآلیة المالیة المعروفة بـ»اینستکس» والتی یجری الحدیث عنها ولا نرى ای تطبیق لها سوى على الورق فما بالک بالوعود الاخرى بشأن دعم الشرکات التی تتعامل مع ایران وتسهیل أمرها وما الى ذلک. وهذا ما حدا بایران الى ان تحدد مهلة للجانب الاوروبی لتنفیذ التزاماته والا فانها ستقوم بخفض التزاماتها التی ینص علیها الاتفاق تدریجیا، وهو ما نفذته على مرحلتین والخطوة الثالثة على الاثر.
الامر الآخر الذی یجب عدم إغفاله هو ان ایران دعت وتدعو دائما الى الحوار لتسویة ای خلافات سواء الاقلیمیة منها أو الدولیة، وسواء کانت هی احد اطرافها ام لا، لإیمانها بان الحوار والتفاوض هو أنجع السبل وأقلها کلفة لتسویة الخلافات والنزاعات، اذا لماذا ترفض الاستجداء الامریکی للحوار؟ الجواب واضح وهو أن ایران دولة ذات سیادة ومستقلة فی قراراتها التی تتخذها بناء على جملة من المبادىء الثابتة، أولاها رفض ای املاءات من ای جهة او دولة کانت، وعدم تقدیم ای تنازل على حساب قیمها ومبادئها، فیما المعروف عن واشنطن انها تبحث عن بقرة حلوب لحلبها خدمة لمصالحها، فضلا عن ان دعوات السمسار هی للاستهلاک الداخلی واستغلالها للانتخابات الرئاسیة القادمة.
واما ما یجری التطبیل له والتهویل منه بشأن اندلاع حرب قد تدمر ایران کما یدعی رجل الاستعراضات الامریکی، فینبغی القول ان امریکا لیس لا ترید بل لا یمکنها الدخول فی ای حرب مع إیران لاسباب عدیدة لیست بخافیة على القارئ الکریم نکتفی بالاشارة الیها على سبیل الاجمال ولا الاطناب، وهی قوة الردع الایرانیة وعدم تهاونها مع ای انتهاک او خرق لسیادتها (نذکر بطائرة التجسس الامریکیة المسیرة «غلوبال هوک») والتأثیر المدمر لمثل هذه الحرب على اسواق الطاقة العالمیة بشکل مباشر واقتصادات العالم بشکل غیر مباشر، والکلفة الباهظة لهذه الحرب وعدم تهیئة مقدماتها. اذا اول ما یتبادر الى الذهن من هذه اللعبة الامریکیة الاوروبیة، هی لعبة الشرطی الصالح والسیء، فامریکا مهمتها التکشیر عن الانیاب والتهدید والترهیب، واوروبا تتولى مهمة التسویف والارجاء، وما سوى ذلک فهو مجرد تمثیل. ومن الواضح ان هذه الالاعیب لا تنطلی على ایران وما اعلنه المتحدث باسم خارجیتها والقاضی بان فرنسا لم تقدم مقترحا یستحق النقاش، خیر دلیل على ذلک.
حسن محمد