لماذا یکرهون المقاومة؟



لعلّ من أبرز وأشهر مشاریع المقاومة العربیة التی أصلّت قِیَم المقاومة الحقّة وغیر المرتبطة بمخطّطات الغرب یأتی  المشروع الناصری فی زمن الزعیم الراحل جمال عبد الناصر، ویأتی مشروع حرکة الجهاد الإسلامی فی فلسطین  منذ أسّسها الشهید القائد فتحی الشقاقی، ثم یأتی – کما سبق وأشرنا_حزب الله کأحد أبرز تلک المقاومات وأکثرها نصوعاً وتأثیراً. هذه النماذج وغیرها ممَن رکّز على استراتیجیة المقاومة المسلّحة ولم یناور أو یزاوجها مع السیاسة بمعناها المبتذل استحقت أن تنتصر وأن تبقى حیة فی ضمیر أمّتها.
إن من نعنیهم هنا بـ(الکارهین للمقاومة) هم کل مَن یقف الیوم مع الحروب الطائفیة والمذهبیة فی المنطقة العربیة، وکل مَن یؤیّد التطبیع مع العدو الصهیونی، ویبارک الإرهاب الأمیرکی ومخطّطاته فی تفجیر البلاد المرکزیة فی المنطقة بإسم ثورات الربیع، وفی مقدمها العراق وسوریا ولیبیا وربما تلحق بهم مصر؛ کل هؤلاء من حیث یعلمون أو لا یعلمون، یعدّون بحکم الدور والوظیفة، کارهون للمقاومة العربیة والتی قلبها فلسطین وأجنحتها فی لبنان وسوریا، حول دلالات تلک الکراهیة ومآلاتها ینبغی أن نتوقّف ونتأمّل الواقع العربی بکل مراراته. إن التاریخ یحدّثنا أن ثمة  لحظات تاریخیة تتمیّز بأنها کاشفة ویتحقّق بها قدر کبیر من الفرز على النقیض من مراحل تاریخیة أخرى، تتداخل فیها الخیوط وتصبح الصوَر غائمة فتکون المناورات بها ممکنة وتکون اللحظات التاریخیة بها مُلتبسة والمواقف – حتى ولو کانت مُخزیة- سیجد أصحابها من المهزومین داخلیاً، تبریراتها وتستخدم لها الغطاءات اللازمة، أما المراحل الحاسمة مثل المرحلة التی تمر بها الأمّة حالیاً، فعلى الرغم من حدّة وتشابک الصراعات فإن الصوَر والحقائق المتّصلة بالمقاومة مفهوماً وقیماً،  واضحة ولا تجوز فیها المناورات ولحظاتها التاریخیة من النوع الکاشف فلا یوجد سماح لأی قدر من الإلتباس أو المبرّرات فالاستقطاب حاد، إما (مع) وإما (ضد) ونظراً لأن العدو الصهیونی والأمیرکی أصبح فی قمّة فجاجته فی العدوان، فإن الأمّة تبدو ضعیفة ومُستکینة وفاقدة لقدرتها حتى على الاستنکار والشجب، إلا من بؤر مُضیئة هی البؤر المقاومة والتی تحظى رغم محاولات شیطنتها، بتأیید غالبیة الشعوب المقهورة تحت نیر الاستبداد، إن الفرز الآن وبعد إنتصار سوریا على داعش الموظّفة من قِبَل تل أبیب وواشنطن، أصبح  بین معسکرین، إما معسکر المقاومة وإما معسکر التخاذل وربما التواطؤ ولا یوجد طریق ثالث.
إن المقاومة  الآن (2018) فی منطقتنا العربیة تعنی  بالأساس  التمسک بالثوابت والحقوق العربیة فی فلسطین وتعنی استکمال مشروع مواجهة داعش وأخواتها ومَن یقف خلفهم من أنظمة عربیة ودولیة، وتعنی أیضاً عدم الرضوخ لأیة قوة مهما کانت شدّة ضغوطها للتخلّی عن هذه الثوابت وتلک الحقوق. والمقاومة تاریخیاً- وبخاصة المقاومة العربیة- تتنوّع أسالیبها وأدواتها بدایة من المقاومة السلمیة والممانعة ووصولاً إلى المقاومة المسلّحة ومجابهة القوّة بالقوّة حتى فی حال تفاوت موازین القوى ، وهناک اصطلاح سبق  وأصّله الکاتب الراحل (محمّد حسنین هیکل) یختصّ بـ (الحروب غیر المتوازیة) ویتعلّق بأنه مهما تفاوتت موازین القوى فهناک أسالیب فی ید القوى الصغیرة یمکن من خلالها إیلام القوى الکبرى والجیوش المسلّحة بأرقى وأقوى الأسلحة التکنولوجیة والفتاکة وربما دحرها وهزیمتها، ولعل  حزب الله فی قصة جهاده الطویلة ضد العدو الصهیونی  منذ 1982 وحتى الیوم ، خیر مثال على ذلک . وقد عرف التاریخ على مداره الأشکال المتنوّعة للمقاومة لأن الصراعات من الثوابت التاریخیة ، وهناک دائماً قوى مهاجمة وغاصبة تتحرّک بدافع الطمع وغرور القوّة للاستیلاء على حقوق الغیر ، وهناک دائماً قوى ممانعة ومقاومة تعمل على مقاومة تلک المطامع، وتدافع عن الحقوق والثوابت مهما ضحّت فی سبیل  هذه الحقوق وتلک الثوابت،  ومهما اختلفت أیدیولوجیاتها ومهما اختلفت أدواتها.
إن تاریخ الإنسانیة یؤکّد عبر تجاربه أنه کما أن  هناک أنصاراً للقوى الغاصبة من الغاصبین أمثالهم للدفاع عن المشروع الغاصب والإمبریالی کمشروع فی حد ذاته أو للحصول على منافع ووجود مصالح مشترکة،هناک دائماً أنصار لمشروع المقاومة ، وکما أن ثمة صغاراً متحالفین مع المشاریع الاستعماریة کما جری فی الربیع العربی الزائف وکما تبدّى واضحاً فی قطاع واسع ممَن أسموا انفسهم بالمعارضة السوریة ، وکانوا فی الوقت نفسه یمدّون الید فی خنوع لفضلات إحسان أنظمة ملکیة خلیجیة  فاسدة ، ومخابرات غربیة تعمل لصالح الکیان الصهیونی . فی المقابل کان لمشروع المقاومة أنصاره من الشرفاء الذین أرادوا الإصلاح والتغییر ولکن لیس عبر البوابة الخلیجیة والأمیرکیة والإسرائیلیة ، فاستحق هذا المشروع المقاوم  وأنصاره أن ینتصروا على عدوین فی آن واحد ،العدو الصهیونی والعدو الداعشی.
 ولعلّ من أبرز وأشهر مشاریع المقاومة العربیة التی أصلّت قِیَم المقاومة الحقّة وغیر المرتبطة بمخطّطات الغرب یأتی  المشروع الناصری فی زمن الزعیم الراحل جمال عبد الناصر، ویأتی مشروع حرکة الجهاد الإسلامی فی فلسطین  منذ أسّسها الشهید القائد فتحی الشقاقی، ثم یأتی – کما سبق وأشرنا_حزب الله کأحد أبرز تلک المقاومات وأکثرها نصوعاً وتأثیراً .هذه النماذج وغیرها ممَن رکّز على  استراتیجیة المقاومة المسلّحة ولم یناور أو یزاوجها مع السیاسة بمعناها المبتذل استحقت أن تنتصر وأن تبقى حیة فی ضمیر أمّتها، ولذلک کرهها أنصار التبعیة ومشاریع التسویة فی وطننا العربی؛ لماذا ؟لأن مقاومتها کانت  صافیة وجذریة ومتطهرّة من دنس التسویة البائسة والسلام المدّنس، وطبیعی أن هکذا مقاومة حتماً تخلق لنفسها أعداء ، وهؤلاء هم أعداؤها وسیظلّون کذلک، لأن تلک المقاومة النقیة، تعرّیهم وتفضح ألاعیبهم وتناقضاتهم، ولأنها وهذا هو الأهم دائماً تنتصر رغم التضحیات والأثمان. وهل تحرّر فلسطین  وتحمی الأوطان، من غیر ثمن؟
رفعت سید أحمد