printlogo


رقم الخبر: 158022تاریخ: 1398/9/12 00:00
مناقشة لظواهر حراکیة نافرة




من اللافت للانتباه منذ اندلاع الانتفاضة ظهور علامات فارقة تستدعی التوقف فی خطب ونقاشات بعض المنخرطین بحماس فی الساحات والشوارع بمن فیهم أصحاب سیرة معروفة فی الانحیاز للمقاومة کخیار سبق ان جاهروا به ودافعوا عنه کأحزاب ومجموعات وأفراد.
أولا تتبدى نزعة استعلائیة فی رفض الکثیر من المنخرطین للنقد والنقاش من خلال ردود عصابیة على أی مداخلة او موقف نقدی حول ما یثر التساؤل والشک وتسخیف مطلق لکل نقاش فیها مثل دور الجامعتین الأمیرکیة والیسوعیة وحشد جماعات تدعى بالمنظمات غیر الحکومیة تتلقى تدریبها وتمویلها من وکالات ومنظمات امیرکیة واوروبیة لنشر الدیمقراطیة أی لتثبیت الهیمنة فی العالم الثالث.
یظهر النزوع الاستبدادی الإلغائی فی التعامل مع تساؤلات منطقیة وطبیعیة  یثیرها التناغم الحراکی الفاضح مع الهدف الأمیرکی المعلن باشتراط حکومة التکنوقراط والذی یطمس الحراکیون انه هو ذاته مطلب لقوى شریکة فی النظام التابع هی جناح السلطة السیاسیة  الأشد تورطا فی مفاسده وآفاته الکثیرة وهی اطراف معلنة وواضحة جرت تنحیتها عن أی انتقاد أو هتاف أو شعار تشاطر اهل الحراک عباءة فضفاضة هی الأقدر على استثمارها  وتسییل وزنها فی المعادلات حتى لو تخفت خلف مجموعات واجهیة متقنة التحضیر على توقیت انفجار الغضب الشعبی.بینما نالت الشتائم أحزاب وجهات أخرى مشارکة فی السلطة السیاسیة نالها ما یکفی من الغضب الأمیرکی بسبب انحیازها لخیار المقاومة.
ثانیا تطور هذا النزوع الاستبدادی الاستعلائی المحصن بغلاف «الثورة» إلى ممارسة ضغط مباشر على القیادات السیاسیة التی أحجمت عن النزول بثقلها إلى الساحات الحراکیة لمطالبتها بتعقیم منابرها الإعلامیة من المنتقدین وهذا أمر فی غایة الخطورة ینم عن سلوک سیاسی خطیر لا یرجو الناس العادیون لأصحابه النجاح فی التسلل إلى موقع فی السلطة لأن الحصیلة معروفة مسبقا.
الثورات والانتفاضات الشعبیة الحقیقیة لیس لدیها ما تخفیه عن الناس وهی تنتعش وتحیا وتنمو بمخاض الأفکار وبالنقاش الحر وبشجاعة النقد والوعی النقدی ولیس بمنع وترهیب المخالفین من أصحاب الفکر والرأی الذین یحملون تطلعات لا تقل جذریة عن الحالمین بستار سمیک یحجب انزلاقهم فی مسیرة ملتبسة منذ خطف الحراک ورهنه داخل العلب الأمیرکیة ولا مجال للمقارنة بین قوة المرتبطین بآلة التحکم الخبیثة وأولئک الذین یکثرون الکلام فی الغرف المغلقة عن تبرئهم منها وهم فی الواقع قاعدون عن أی مبادرة فعلیة اوموقف معلن وصریح فی اعتراض طریق المجموعات الحراکیة التابعة لجناح النظام المتباهی بقناع الثورة او الشبکات غربیة الولاء وما اکثرها التی یتساکنون معها بکل صمت وتکتم.
ثالثا- لم یقدم أی من وطنیی الحراک المخطوف جوابا عملیا عن الأسئلة المحقة حول مواقفهم من مخطط استعماری أمیرکی غربی یستهدف توظیف ما جرى لتعدیل توازن القوى السیاسی المحلی لتکریس الهیمنة الغربیة على البلد واستهداف المقاومة وهو مغزى الوصفة الحکومیة الأمیرکیة التی عبرت عنها مراکز الدراسات والتخطیط المعروفة وظهرت مفرداتها فی الساحات وغایتها النیل من المقاومة وحلفائها فی معادلة القرار الحکومی تحت تغطیة معالجة الانهیار الاقتصادی والمالی والسعی لاختیار بعض الوزراء من نخبة الخبراء المبرمجین فی خدمة الهیمنة الاستعماریة الغربیة وخدمها الاقتصادیین والمالیین القابعین فی کنف البنک الدولی والشرکات الغربیة وصندوق النقد الدولی. ولم یقدم معظمهم على تمییز أنفسهم بموقف واضح من الضغوط الأمیرکیة التی ادت إلى استقالة الحکومة وتاهوا فی ضجیج الهتاف باعتبار الاستقالة إنجازا للانتفاضة ورغم کون شروط الرئیس الحریری تفصح عن الهویة الفعلیة لمن رفع من شعارات حول الحکومة البدیلة وکتغطیة لإدامة الفراغ والاستنزاف فی خدمة الضغوط الأمیرکیة نفسها.
رابعا- مع خطف الانتفاضة باتت ظاهرة الحراک وعاءا سیاسیا لخلیط متنافر یمثل الوطنیون فیه أقلیة ضئیلة فاقدة الهویة وغیر واضحة فالتوازن الفعلی بین المکونات والأجنحة مختل کلیا لمصلحة الجناح التابع للهیمنة ولشبکات التحریک المربوطة والمضبوطة بإحکام شدید وهذا یفترض بالوطنیین تمییز حراکهم فلا تغویهم خلطة فضفاضة بهویة غامضة وضائعة وطنیا واجتماعیا تناسب مصالح القوى الخفیة المحرکة التی تشارکهم شعارات عدیدة عمومیة من غیر أی تحدید سیاسی ومنهجی یناسب آفاق التحرر الوطنی والتغییر الحقیقی الذی لا یتحقق فی بلد مستعمر دون الإطاحة بالهیمنة وبمرتکزاتها  وعملائها المحلیین.
تحویل الیافطة العمومیة التی تناسب بعض الباحثین عن ادوار والمسحورین بالجموع مهما تقلص عدیدها إلى عصبیة حزبیة محصنة ضد النقد والنقاش هو انحراف خطیر لایتناسب مع دعوات التغییر السیاسی الافتراضیة بجمیع منوعاتها تماما کما ان الهتافات التی ترددت حول الوحدة الوطنیة لا تعنی انتفاء العصبیات الطائفیة والمذهبیة واختفاءها وشفاء المجتمع منها طالما تستمر تشکیلة النظام السیاسی والاقتصادی الریعی.
ختاما من المحزن لأی وطنی ان یرى رفاقا له فی خیار المقاومة یخفون مواقفهم المبدئیة لمسایرة شرکائهم تحت عباءة فضفاضة وان یحجموا عن التصدی لمظاهر الشبهة والخداع فی نفاق متبادل مع اولئک الشرکاء المستجدین وبینهم أعداء سافرون للمقاومة ولفکرة التحرر الوطنی التی ستبقى القاعدة التی یؤسس علیها أی بناء جدید سیاسیا واقتصادیا یضمن التنمیة وینهی الانهیار وذیوله ویرفع سائر المظالم.
غالب قندیل


 


Page Generated in 0.0071 sec