printlogo


رقم الخبر: 158021تاریخ: 1398/9/12 00:00
«النیو برولیتاریا» السوریة.. نار تحت الرماد



إفرازات الحرب السوریة لاتزال تخرج شیئاً فشیئاً ولکن أخطرها هی طبقة «النیو برولیتاریا”.
أغلبنا یعرف تقسیم کارلمارکس ووفریدریک أنجلز، للطبقات فی المجتمع وهی (البرجوازیة، والرأسمالیة، والإقطاعیة، والبرولیتاریا، وغیرها). والطبقة الأخیرة التی تعنی الطبقة الکادحة متواجدة فی جمیع المجتمعات وبکثرة وهی مضطهدة منذ الأزل. والحروب تنتج طبقات جدیدة والحرب السوریة انتجت طبقة یمکن ان نسمیها «النیو برولیتاریا» مثل «النیو لیبرالیة”.
وطبقة «النیو برولیتاریا» هی التی تتکون أثناء أو بعد الحروب، وهی مزیج من أبناء الطبقة المتوسطة قبل الحرب والذین تحولوا إلى طبقة ضعیفة بعد الصراع، إضافة إلى أبناء الطبقة الکادحة الذین تحولوا إلى طبقة مسحوقة فیما بعد.
فی الثمانینات والتسعینیات وحتى بدایة الألفیة الثانیة کانت الفوارق الطبقیة فی المجتمع السوری متقاربة نوعا ما، وکانت نسبة قلیلة جداً قد لا تتجاوز الـ10 بالمئة هی التی تعیش فی الرفاهیة المطلقة، فیما یعیش جمیع أبناء المجتمع الحیاة نفسها سواء فی الأکل والشرب والتعلیم والعمل وکل شیء، ونحن هنا نتکلم عن الداخل السوری فقط، ولا نتحدث عمن خرجوا إلى دول الخلیج (الفارسی) للعمل، فقد کان لهم نمط حیاة خاص بسبب السیولة المالیة الکبیرة بین یدیهم.
وبعد الألفیة الثانیة بدأت الدولة تنسحب شیئاً فشیئاً من السوق، الذی أصبح تحت سیطرة التجار الذین یتنافسون فیما بینهم لیس لمصلحة المواطن بل علیه، وخلف کل تاجر هناک مسؤول فی موقع حساس، لذلک کثرت الرشوة بشکل کبیر خصوصاً لمسؤولی الدرجات الأولى وذلک بسبب کثرة التجار ورجال الأعمال.
فی بدایة الحرب السوریة خرج عدد کبیر من التجار ورجال الأعمال خارج البلاد خوفاً على أموالهم، إضافة إلى المعامل التی سرقت وذهبت إلى ترکیا، إلى جانب انعدام الاستثمارات الأجنبیة والحصار المفروض على البلاد، هذه العوامل مجتمعة جعلت المسؤولین فی العراء بسبب عدم وجود من یغطیهم لذلک ذهبوا إلى إنتاج طبقة جدیدة من رجال الأعمال الذین أتوا من لا شیء وأصبح بین یدیهم کل شیء.
هذه الطبقة ازداد نفوذها المالی والسیاسی بشکل کبیر فی نهایة عام 2013 وبدأت تتحکم بالسوق والأسعار بدون ضوابط، فالطبقة الأولى من رجال الأعمال الذین خرجوا من البلاد کانوا قد وصلوا الى مرحلة الإشباع المالی، لذلک توجهوا إلى زیادة الدعم للطبقة العاملة، لکن الجدد لا یزالون یشعرون بالجوع المالی لاسیما وأنهم فی الأساس موظفون لدى صاحب المال ولکن من تحت الطاولة، ولهذا السبب زادوا من معاناة المواطن السوری فی الحرب، لیسمیهم الشارع بـ»تجار الحرب وأغنیائها”.
رجال الأعمال الجدد وجشعهم وجشع من خلفهم ساهم فی ضغط الطبقة الوسطى فی المجتمع بشکل کبیر حتى وصلت إلى مرحلة شبه الانهیار، فیما انهارت تماما أحلام الشباب سواء فی الطبقة المتوسطة أو الکادحة، وباتت أقصى طموحاتهم وأحلامهم العثور على جرة غاز أو ألا یموتوا برداً فی الشتاء، فی الوقت الذی یرون السیارات الفارهة لأبناء واقارب طبقة الأغنیاء من رجال الأعمال الجدد والمسؤولین الکبار، إضافة إلى رؤیتهم البذخ الکبیر الذی یعیش فیه أبناء تلک الطبقة، خصوصا وأن مواقع التواصل الاجتماعی لم تعد تخفی أحد، وکل شیءٍ بات مفضوحا أمام أعین الجمیع.
ضغط الطبقة المتوسطة حتى باتت على فوق الصفر بدرجة وضغط الطبقة الکادحة وخروج طبقة «النیو برولیتاریا» هی عوامل ستؤدی بلا أدنى شک إلى عواقب غیر محمودة لو استمرت، لأن الضغط سیؤدی فی النهایة إلى انفجار لا یشبهه أی انفجارٍ من قبله أو بعده، فاستاذ المدرسة أو المهندس أو المحامی أو حتى أصحاب المهن الحرة الذین یرون أن راتب الشهر لدیهم یساوی تکلفة سهرة لابن أحد المتنفذین، سیشعرهم بغلیان کبیر وانفجارهم سیکون مخیفاً. وهذا الانفجار لن یکون مضبوطا بشارع، لانه لا یتبع فکرة سیاسیة او طائفة دینیة، لذلک هو خطیر جدا على المجتمع.
للدولة دور مهم فی کبح هذا الانفجار ومنعه، وهی تقوم بذلک فعلیاً عبر ضبط رجال الأعمال والمسؤولین وهو امر أعلن عنه السید الرئیس بشار الأسد. وتعتبر هذه خطوة الأولى؛ أما الثانیة فهی الزیادة فی مساعدة أبناء الطبقة الوسطى والکادحة أو التی أسمیناها «النیو برولیتاریا» حتى یستمروا فی الحیاة الکریمة. والخطوة الثالثة هی ضبط السوق ومنع ارتفاع الأسعار. هذه الأمور جمیعها تقوم بها الدولة السوریة ولکن لاتزال بطیئة أو لا تتماشى مع واقع الحیاة. وللإعلام دور أیضاً فی تسلیط الضوء أکثر على الفاسدین للمطالبة بمحاسبتهم ونشر أخبار هذه المحاسبة.
جمیع الدول التی شهدت حروباً کالحرب السوریة، کانت نهضتها أو دمارها إلى الأبد بید أبناء الطبقة الجدیدة التی خلفتها الحرب، فإذما احتضنت هذه الطبقة وأطلقت یدها ستصنع المعجزات مثل فیتنام وألمانیا، وإذ ما قیدت فستبقى الدولة تراوح مکانها مثل دول إفریقیا الوسطى.
ابراهیم شیر


 


Page Generated in 0.0058 sec