printlogo


رقم الخبر: 147022تاریخ: 1398/4/5 00:00
بین کازبلانکا والبحرین… شرق أوسط قدیم



هبطت أربع طائرات إسرائیلیة فی تشرین الأول 1994 فی مدینة المیناء المغربیة کازبلانکا، التی استضافت المؤتمر الاقتصادی الشرق أوسطی والشمال الإفریقی الأول بعد اتفاقات أوسلو. جاءت الطائرات بمئات الإسرائیلیین: رئیس الوزراء رابین، ووزیر الخارجیة بیرس، وسیاسیین، ورجال أعمال، وصحافیین وخبراء فی المنطقة. د. یوسی فاردی الذی سیصبح لاحقاً غورو التکنولوجیا الإسرائیلیة ومستشار رابین للتنمیة الاقتصادیة الإقلیمیة، أعطانی قبل الصعود إلى الطائرة کتاباً سمیکاً، ملیئاً بالخرائط والرسومات البیانیة الملونة: الخطة الکبرى التی أعدها سراً هو وفریق کبیر من المهنیین فی التنمیة الاقتصادیة لإسرائیل، وفلسطین، والأردن، ومصر. فی مرکز الخطة، استثمارات کبرى فی البنى التحتیة المشترکة ـ مشاریع مفصلة، محسوبة، معللة. ثمرة عمل ورؤیا. الترجمة العملیة الأولى والأخیرة لاصطلاح «شرق أوسط جدید».
عرضت الخطة على مندوبی العالم العربی ممن وصلوا بجموعهم إلى کازبلانکا، فاقشعرت أبدانهم. الکتب المؤثرة لفاردی خطفت، فتحت وأغلقت على الفور. لا نحتاجکم، قال لنا العرب، إذا أردتم تنمیة اقتصادیة سریعة لبلداننا، سنفعل هذا بطریقتنا. لم تجد نفعاً ضغوط کلینتون، ویلتسین، ومبارک والملک حسین ـ لم یتأسس بنک دولی لتنمیة الشرق الأوسط. ولم یوقع أی اتفاق للتعاون العملی فی الاستثمارات فی البنى التحتیة. لا فی مؤتمر کازبلانکا ولا فی المؤتمرات الاقتصادیة فی عمان وفی القاهرة. فالشک، العداء وبالأساس النفور من خطوة تطبیع بارزة مع إسرائیل قبل التوقیع على اتفاق سلام کامل مع الفلسطینیین، صفت کل احتمال لـ «شرق أوسط اقتصادی جدید». أحدث ملفاته مخزنة فی مکتبتی البیتیة، حجر طریق بلا طریق. تذکرت سلسلة المؤتمرات الاقتصادیة والمخططات التی رافقتها حین قرأت وثیقة «السلام من أجل الازدهار» من مصنع جارد کوشنیر، صهر ومساعد الرئیس ترامب والروح الحیة من خلف الورشة الاقتصادیة الشرق أوسطیة التی افتتحت فی البحرین . هذه الوثیقة محرجة سواء من حیث عمق سوء الفهم للسیاقات الاقتصادیة الجاریة فی منطقتنا أم من حیث التجاهل المطلق للواقع الجغرافی السیاسی الإسرائیلی ـ الفلسطینی ـ الأردنی وبحوث واقتراحات البنک الدولی، وصندوق النقد الدولی، ومجموعة AIX لاقتصادیین إسرائیلیین وفلسطینیین، وغیرها. إن التجاهل یفسر الضحالة الاقتصادیة للوثیقة. فماذا ینقصها مثلاً؟ موقف من توزیع إقلیمی للمیاه، ومشکلة اللاجئین، ومن الغلاف الجمرکی المشترک، والعملة والبنک المرکزی الفلسطینی، ومن الفوارق فی مستوى المعیشة وفی الأنظمة بین الدفاع والقطاع، من الحواجز وجدار الأمن، من العمل الفلسطینی فی إسرائیل أو قدرات الحکم الفلسطینی المحدودة على أداء المهام.
بالمقابل، یکثر واضعو الوثیقة من استخدام الکلمات الضخمة، التوجه المباشر لـ «الشعب الفلسطینی» وفی الترویج الأیدیولوجی للسوق الحرة والملکیة الخاصة کحل سحری للضائقة والعداء للأجیال. المبلغ المذکور فیها ـ صندوق متعدد الجنسیات من 50 ملیار دولار لتمویل الازدهار الاقتصادی المستقبلی فی المنطقة ـ رقم ممجوج ولیس سوى عنوان بلا غطاء وبلا أمل. کما أنه کاذب. 28 ملیار منه فقط مخصصة للاقتصاد الفلسطینی ومنه ینبغی أن یحسم ـ فیفهم من صیغة الوثیقة ـ المساعدة التی تتدفق منذ الآن إلى السلطة الفلسطینیة، نحو 22 ـ 23 ملیار دولار فی العقد الماضی. وبالتالی یدور الحدیث عن إضافة 500 ملیون دولار فی السنة معظمها اهتمام مدعوم ولیس تبرعات. مال متواضع حتى هامشی. بعید جداً عن الثورة. والتشبیه، مثلما جرى المرة تلو الأخرى فی أساسات الخطة، لمستقبل فلسطین مع مستقبل سنغافورة وکوریا الجنوبیة ـ هذا هراء اقتصادی، اجتماعی، سیاسی وشرق أوسطی من الدرجة الأولى.
وابل من الهزء انصب فی الماضی على مبادرة «الشرق الأوسط الجدید» کما عرضت فی مؤتمر کازبلانکا، ولکنها کانت ولا تزال ذروة فی الجدیة، المهنیة والواقعیة مقابل الرؤیا المخادعة التی تظهر فی خطة «السلام من أجل الازدهار» مثلما ستعرض فی مؤتمر البحرین.
سیفر بلوتسکر


 


Page Generated in 0.0067 sec