printlogo


رقم الخبر: 146050تاریخ: 1398/3/23 00:00
یتحقق من خلالها الخطاب الابلاغی العملیة التواصلیة للفن التشکیلی..
رسالة موجهة إلى العقل الإنسانی

تعتمد فاعلیة العمل الفنی التشکیلی على العملیة التواصلیة التی تتفاعل فیها عوامل عدیدة ومختلفة، تشکلها وتکسبها هیئة داخل السیاق العام للتکوین الفنی، ویکون ذلک بدءاً من الفکرة مروراً بمراحل انجاز التکوین وانتهاء بالمتلقی، وهی بذلک تحول الـلامرئی من الأفکار والانفعالات التی یحملها الفنان الى مدرکات تحتل أشکالاً ورموزاً تبعاً لطبیعة البنیة الحضاریة والفکریة للمجتمع الذی ینتمی الیه الفنان ومن ثم تنعکس على الأفراد.. مُشکِلة نسیجاً من العلاقات الاتصالیة المنتظمة والمتداخلة بین الفنان المرسل للأفکار والمتلقی...
مما لاشک فیه ان العلاقات الاتصالیة المنتظمة فی مختلف المراحل التاریخیة لإنتاج الاعمال الفنیة تنطوی على إقرار ضمنی بالدخول فی مستوى جدید من الافکار لدى الفنان.. یحمل فی طیاته تأثیراً من نوع خاص بالمستوى نفسه على المتلقی، وذلک تبعاً لطبیعة وشکل الرسالة التی یحملها العمل الفنی.. بهدف تبادل الأفکار والآراء أو المعلومات عن طریق الإشارات ودلالاتها وحرکة الألوان وعناصر التکوین الأخرى التی تنتظم بشکل مدروس داخل اللوحة، فالعملیة التواصلیة التی تکون موجودة فی اللوحة الفنیة او أی تکوین فنی اخر هی رسالة موجهة إلى العقل الإنسانی.. وتکون خاضعة إلى نسق یحکمها، فالفن التشکیلی یتکون من مجموعة أنساق شکلیة تتمیز بکونها علامیة یرتبط بعضها البعض بعلاقات ظاهرة وکامنة، وهذه الانساق یتحقق من خلالها الخطاب الابلاغی الذی لا یکون الا بتوافر اللوحة والمشاهد وهذا شرط فی أیة عملیة فنیة تواصلیة.
لقد میز بعض منظری الفن بین مستویین اساسیین یقوم علیهما الابلاغ الفنی المتمثل باللوحة کرسالة والمجتمع کمتلق لها، وهذان المستویان کفیلان بعملیة التحلیل أو التوظیف السردی الدرامی لبنیة وعناصر الابلاغ الذی تنطق به الاعمال الفنیة أیاً کان نوعه، وهذان المستویان هما المستوى الظاهری أو الصریح والمستوى الباطنی.. اما المستوى الظاهری فیکون فی مبدأ الالتزام الذی تأخذه الأشکال والوحدات القصصیة، ففی لوحة العشاء الأخیر للفنان دافنشی على سبیل المثال.. تظهر سردیة التمثیل من خلال الایماءات والرموز للحواریین حول السید المسیح على مائدة العشاء بدلالة النسق الشکلی لحرکاتهم دون تکلف، مع حرص الفنان فی التعبیر عن نفسیة کل شخص فی اللوحة..  بدلالة اشارة الأیدی والوجوه لکل الحواریین، حیث اراد الفنان فیها خلق تواصلیة بین العمل الفنی والمتلقی من خلال الحرص فی تمثیل التفاصیل کالظلال والألوان، وفی هذا تأکید على التوظیف السردی من خلال المستوى الظاهری (البنیة السطحیة للوحة) لوحدات العمل الفنی.
واما فیما یخص المستوى الباطنی، فهو یعد المستوى البنیوی المشترک الذی تنتظم فیه العناصر وفق أشکال مستقلة عن مظاهرها الخطابیة.. فعندما تکشف الرسالة عن معنى باطن وتوحی بشیء ما خلف السمات الشکلیة فهی بذلک تنحو منحى المستوى الباطنی أو الداخلی البعید عن المظهر الخارجی، حیث یعمد الفنان هنا على توظیف الشکل والأحداث فی موضوعاته لإیصال معنى فکری من خلال نظم العلاقات الشکلیة بدلالة عنصر اللون الذی یُفعل فی وظیفة الابلاغ، وهذا المعنى الفکری قد یظهر من خلال تجسید العوالم النفسیة الذاتیة کالألم او الحزن بظواهره المختلفة، وادخاله عالم الادراک الشکلی المؤلف من الألوان والأشکال أو بنوع من التمثیل الدرامی الصامت الذی یبثه خطاب اللوحة التشکیلیة.
إن التواصل فی العمل الفنی ما هو الا نقل فعال للمعنى والابلاغ بشیء ما.. وینبغی أن یجمع طرفی التواصل مجال خطابی واحد، ویجب أن تکون هناک فکرة هی التی تشکل موضوعهما المشترک، فالعلامات الواردة فی العمل التشکیلی کرسالة تعد عوامل مساعدة على فهمه واستیعابه ومن ثم تداوله.. وهذه الرسالة التی یحملها العمل الفنی تتمتع بعلاقة وثیقة بین المعنى والتواصل، فتکون الرسالة أو(النص) أداة لنقل الابلاغ للمتلقی، وتقوم العملیة التواصلیة عادة على خلق التوازن بین کلاً من بنیة الرسالة المتلقاة والرسالة المبثوثة، إذ إن جمیع عناصر العمل الفنی تمتلک قیمة تواصلیة فی ایصال الرسالة للمتلقی.. وتتمثل عادة فی المجال التشکیلی بالخطوط والألوان والمساحات والتکوین العام للوحة.. فهی تکون بحد ذاتها مادة تعنی شیئاً ما وتبغی ایصاله وابلاغه للمتلقی، فالعمل الفنی فضلاً عن أنه ذو وظیفة جمالیة فأنه یمتلک وظیفة أخرى وهی التواصلیة والتی تظهر واضحة فی الفنون المختلفة کالأدب والرسم والنحت ولا تظهر فی بعضها الآخر.
آلیة الابلاغ الفنی..
یعمل المرسل (الفنان) على تشفیر موضوع رسالته فی لغة علامیة بصریة وبدرایة تامة.. بهدف تحقیق فعل تواصلی مع المتلقی، الذی یتسلم بدوره الرسالة معتمداً على الأدراک والإحاطة بالعلامات الموجودة داخل اللوحة لکونها ظواهر مادیة مدرکة بالحواس، ویتحقق هدف الابلاغ  فی هذه الحالة على درجات بالنسبة للمتلقی تبعاً لخلفیته الثقافیة والفنیة ومدى مقدرته على التخیل واستنطاق المعنى المغیب داخل السیاق الدلالی الذی یشیر الیه النص المخبئ فی اللوحة إذ انها أطلقت لإیصال رسالة ما للمشاهد.
وقد تمیز الابلاغ الفنی فی تیارات الفن الحدیثة بکونه دینامیاً ومرناً، بدلالة اعتماده على العلاقات بین العناصر الشکلیة، فلو میزنا الأعمال التکعیبیة مثلاً لوجدنا ان هدفها الاساس هو تحویل العلاقات بین المشیر والمشار الیه والإشارة، حیث یدفع الاسلوب الفنی للمدرسة التکعیبیة وبعض المدارس الفنیة الحدیثة الى تأجیل التعرف على الموضوع المحول والمخفی عن المتلقی إلى حدود طمس معالمه، إذ یصعب تمییز الملامح الأساسیة للشخصیات المرسومة فیها.. وبعد أن جرت العادة على اعتبار الشکل نوعاً من الأنظمة الزخرفیة التی تقدم قیمة جمالیة، أصبحت تلک الاشکال واللوحات وعاءً یصب فیه الابلاغ وقادراً على استقبال تصورات بصریة عدة، أی أنه ذو وظیفة ویمکن الإحساس بالمظهر الشکلی من خلال بنیة الترکیب للوحدات المؤلفة منها، وقد تبنى بعض رسامی الحداثة مبدأ الاستعارة والکنایة لوحدات العمل الفنی، فقوانین التراکیب الشکلیة تمتاز بالمرونة بما یجعلها قادرة على الابلاغ عن الفعل، فیعدون العمل الفنی مجموعة إشارات تسعى للکشف عن معلومات بصریة فی عمل فنی واحد.
أن الابلاغ لا یمکن معرفته دون أن یرد ضمن نسق معین، إذ لا بد من أدراک العمل الفنی ذاته ولیس سعیاً وراء شیء خارج عنه، ویمکن فهم التغییر فی التأویل والخطاب التشکیلی والخروج عن المألوف فی الاتجاه الواقعی الذی یحاکی المرئیات إلى الرومانسیة التی تفعل الشکل بدلالة ذات الفنان وشعوره الخاص، مروراً بالرمزیة التی تحیل الشکل إلى دلالة فکریة بعد أن تغطی على ایقونته وتغطیه مثل الإشارة إلى شیء ما تبعاً لمحتواه وهذا لا یحدث الا ضمن سیاق محدد کما الحال فی بعض الفنون الزخرفیة الاسلامیة وانساقها الفنیة التی تدور حول محور المرجعیات الفکریة التی انبثق منها الفن الاسلامی فی التوحید ومرکزیة الله جل وعلا..  وحسب هذا الرأی تقع الواقعیة فی أدنى مراتب الاستعارة کونها تحمل معانی کثیرة منقولة مباشرة، وأن الفن الرمزی یحمل معانی کثیرة تختلف باختلاف أماکنها وزمنها وتحمل أکثر من معنى لدى المتلقی.. هنا تجدر الاشارة إلى أن معظم فنون الحضارات القدیمة کانت تنحو منحى الفن الرمزی فی الصیاغات الشکلیة لمختلف الموضوعات، وهذا یدل على أن الفنان المرسل الباث کان یعیش فی مرحلة متقدمة فنیاً وثقافیاً لکونه یستخدم الرموز والدلالات وبانساق متنوعة تتناغم وافکار المتلقی.
 


Page Generated in 0.0052 sec