printlogo


رقم الخبر: 138440تاریخ: 1397/11/18 00:00
وقفة
الثورة الإسلامیة الإیرانیة وتأثیرها على استراتیجیة واشنطن

شارل أبی نادر

قد یکون الرئیس الأمریکی دونالد ترامب هو الأکثر صراحة ووضوحاً، من بین رؤساء الولایات المتحدة الأمریکیة الذین سبقوه، فی فضح مخططات وأجندات إدارته، وربما کان أغلب أسلافه فی هذه الادارة غیر بعیدین فی سیاستهم عن مضمون سیاسة الرئیس الأمریکی الحالی، ولکن کانوا على الأقل، یناورون ویخادعون فی إظهار حقیقة أهداف إدارتهم القومیة والاستراتیجیة. ولکی تکتمل مع الرئیس ترامب هذه المیزة، وضع على یمینه مستشاراً للأمن القومی (جون بولتون) یوازیه، لا بل یزاید علیه فی تلک الصراحة الفظة، والتی لا تعرف شیئاً عن الطرق الدبلوماسیة المعروفة.
قالها مؤخراً الرئیس ترامب وبالفم الملآن: (سنبقى فی العراق لکی نراقب إیران)، ویکون بذلک قد اختصر، وبعبارة صغیرة وبسیطة، استراتیجیة واسعة ملیئة بالأزمات والحروب والمآسی، طبعت سیاسة الادارة الأمریکیة فی الشرق الاوسط بشکل عام، وفی الملفات التی أثرت وتأثرت بکل من إیران والعراق، وبأغلب الدول المحیطة أو المرتبطة بالدولتین بشکل خاص، وذلک منذ سقوط حلیف تلک الادارة الاستراتیجی الشاه رضا بهلوی، وإنتصار الثورة الإسلامیة فی إیران بقیادة الامام الخمینی (قده) فی العام 1979.
بعد الثورة الإسلامیة فی إیران، خسر الأمریکیون نقطة إرتکازهم الأساسیة فی المنطقة، والتی کانت مع الشاه المهزوم، منطلقاً لشرذمة العرب والمسلمین، ونقطة تفتیت وإضعاف وتشتیت لأغلب الدول العربیة والخلیج الفارسی الغنیة، والتی من الممکن أن تلعب دوراً أساسیاً فی تماسک الإسلام والعرب، فیما لو توحدت وتکاتفت، أولاً بوجه العدو التاریخی للعرب والمسلمین (الکیان الصهیونی)، وثانیاً فی تشکیل جبهة قویة تفرض نفسها سیاسیاً واقتصادیاً بوجه الأطماع الغربیة بدولهم وبثرواتهم...
من هنا إنطلقت الاستراتیجیة الأمریکیة نحو المنطقة، مدفوعة بهاجس

الثورة الإسلامیة فی إیران وخطرها على مصالحهم ومصالح حلفائهم الصهاینة، وجدّت فی مناورة خلق الفتن والأزمات والحروب فی المنطقة وخاصة فی کل الأمکنة التی تؤثر سلباً على هذه الثورة، هدفاً ثابتاً ودائماً لإضعاف الأخیرة وتشتیت فعالیتها وعناصر قوتها، وهذه الاستراتیجیة یمکن تحدید مراحلها ومحطات تنفیذ أهدافها کالتالی:
* الحرب العراقیة - الإیرانیة
مباشرة بعد إنتصار الثورة الإسلامیة فی إیران، بدأت تقریباً حرب الخلیج الفارسی الأولى، وبذرائع خُلِقت فجأة فی رأس الرئیس العراقی السابق صدام حسین، فتجاوز إتفاقیة نافذة موقّعة بین إیران والعراق، کانت تنظم خلافات حدودیة سابقة بین الدولتین، تتعلق بالسیادة على (شط العرب) والواجهة البحریة المشترکة على الخلیج الفارسی، وذلک ضمن المثلث الاستراتیجی بین آبادان وخرمشهر فی إیران والبصرة فی العراق، وقد لعبت الولایات المتحدة الأمریکیة دوراً رئیسیاً فی تسعیر الخلاف بدایة، ولاحقا فی إطالة النزاع الدموی بین الطرفین، والذی تجاوز الثمانی سنوات بما فیها من خسائر هائلة فی الأرواح لدى الطرفین، مع خسائر مادیة هائلة قاربت الاربعمئة ملیار دولار.
* غزو العراق للکویت
مباشرة بعد انتهاء الحرب العراقیة - الإیرانیة، وبفترة لم تتجاوز السنتین، کانت کل من الدولتین بالکاد قد إنتهت من لملمة ویلات الحرب وخسائرها الضخمة، خلق صدام حسین، ذرائع واهیة لم تکن تحمل أی معنى أو مضمون قانونی أو تاریخی أو سیاسی، وبغض نظر واستدراج خبیث من الأمریکیین، قرر غزو دولة الکویت دون سابق انذار، ضارباً عرض الحائط بکل المبادئ والأعراف والقوانین الدولیة، وحدث ما حدث من دمار ومن تهجیر ومن ویلات وخسائر، والأهم من ذلک أنه خلق الذریعة التی طالما انتظرها الأمریکیون، وشنوا حرباً واسعة على العراق، وکانت تلک الحرب مفتاحاً للتدخل العسکری الغربی - الأمریکی فی المنطقة، والذی ما زال حتى الساعة، کاحتلال کامل بکل معانیه، جاثماً ثابتاً على أرض العراق.
* نشوء الإرهاب و(داعش)
- مع تزاید الضغوط الداخلیة الوطنیة على الاحتلال الأمریکی، وتصاعد عملیات المقاومة ضده، إضطر الأمریکیون لإیجاد مخرج مناسب لانسحاب وحداتهم العسکریة، بالحد الأدنى یحفظ مصالحهم من جهة، ومن جهة أخرى یؤمن حمایة تلک الوحدات من عملیات المقاومة المؤلمة، والتی بسقوط الآلاف من الضباط والجنود من تلک الوحدات، تعاظمت الضغوط الداخلیة ضد وجودهم فی العراق، فاُجبِروا على الانسحاب، بعد أن استطاعوا انتزاع توقیع السلطات العراقیة على إتفاقیة أمنیة عسکریة، أبقت لهم عدة قواعد عسکریة جویة.
- لم یکن هذا الوجود العسکری الأمریکی، والمحدد والمقید بالإتفاقیة مع الدولة العراقیة، کافیاً لاعطائهم القدرة على التدخل فی السیاسة الداخلیة لبغداد، وتوجیهها نحو أجندتهم الثابتة فی تفتیت وتشتیت العرب والمسلمین، انطلاقاً من تأزیم العلاقة بین الدولتین العراقیة والإیرانیة، وحیث رأوا قدرة السلطتین على إعادة التماسک واللحمة، وتوجیه العلاقة نحو مصلحة الأمة الأوسع والأنسب، خلقوا الإرهاب الممثل بـ(داعش)، وساعدوه سراً وعلناً على ضرب الجیش العراقی والأجهزة الأمنیة والمؤسسات الحکومیة فی أغلب مناطق البلاد، ساعدهم على ذلک مناخ مستحدث من الانقسام المذهبی، عُمل علیه بتوجیه أمریکی وتمویل خلیجی وإعلام أخطبوطی هدام، فکانت کارثة تمدد وانتشار (داعش)، وضَعُف العراق وتمزق، وتهددت الجمهوریة الإسلامیة فی إیران، وتأثر أمنها واقتصادها، واستُنزِف قسم کبیر من جهودها ومن طاقاتها لاستیعاب وجود الإرهاب الخطر. ولاحقا، بعد صمود محور المقاومة بقیادة الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة، بمواجهة الحرب الإرهابیة التی استهدفت العراق وسوریا ولبنان، وبعد أن عاد التوازن الأمنی والاقتصادی والسیاسی الى دول المحور، ارتأى الرئیس ترامب أن ینسحب من الإتفاق النووی مع إیران، دون أی مستندات أو وثائق تثبت مخالفة إیران للإتفاق، وذلک على عکس ما رأت أغلب الدول المعنیة، وأیضاً على عکس ما ترى أجهزته الأمنیة والاستخباریة، وهو یحاول الیوم عبر رزمات متتالیة من العقوبات الاقتصادیة القاسیة والظالمة، أن یطوّع إیران ویقوض نفوذها وتأثیرها فی المنطقة.
هکذا، وبعد أن اکتشف الأمریکیون کما یبدو، أن مناورتهم الأخیرة فی الانسحاب من الإتفاق النووی قد فشلت فی تقویض ومحاصرة الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة، لأسباب وأسباب، خرجوا بمعادلتهم الأخیرة حول البقاء فی العراق، بهدف مراقبة إیران والحد من نفوذها ومن تأثیرها، وبذلک یکون الأمریکیون بقیادة ترامب، فی هذه المرحلة من الاستهداف لإیران عبر مراقبتها من العراق، قد توّجوا استراتیجیتهم التی بدأت بعد إنتصار الثورة الإسلامیة عام 1979، واستمرت مع خلقهم للتوتر وللحروب والأزمات المحیطة بإیران والمؤثرة علیها، فی حربی الخلیج الفارسی الاولى والثانیة، ولاحقا فی خلق ورعایة ودعم حرکة الإرهاب والتکفیر والفوضى القاتلة.


 


Page Generated in 0.0054 sec