printlogo


رقم الخبر: 136529تاریخ: 1397/10/23 00:00
الولایات المتحدة أضعف من أی وقت مضى

أحمد المقدادی

رغم محاولة وزیر الخارجیة الأمریکی مایک بومبیو خلال حدیثه فی القاهرة عن سیاسة بلاده فی الشرق الأوسط فی عهد الرئیس المثیر للجدل دونالد ترامب، التمظهر بالقوة والجبروت، الا ان حدیثه استبطن اعترافا بتراجع الدور الأمریکی فی المنطقة بعد ان خرجت مفاتیح السیطرة من أیدی واشنطن الى الحد الذی باتت الدول الحلیفة لها تتجه للتنسیق مع روسیا حتى على مستوى التسلیح والأمن الإقلیمی.
ما خلفته تراکمات سیاسة الاحتلال والتدخلات العسکریة فی الشرق الاوسط منذ عهد الرئیس الجمهوری الاسبق جورج دبلیو بوش من ویلات على شعوب المنطقة، ومن اعباء مالیة وبشریة ضخمة على الولایات المتحدة، جعلت الرئیس الدیمقراطی اللاحق باراک اوباما ان یتقمص دور الطبیب المعالج لما ترکه سلفه من اورام ویقوم بتنسیق انسحابات القوات الأمریکیة من العراق وأفغانستان وان یتجنب ای تدخل مباشر فی لیبیا أو سوریا أو الیمن وان یتمترس بحلف الناتو وخلف شرکائه الأوروبیین.
الرئیس اوباما استطاع ان یعید للإقتصاد الأمریکی عافیته وان یبعد بلاده عن أیة مغامرات عسکریة جدیدة وان ینجح فی التوصل الى اتفاق تاریخی مع إیران حول برنامجها النووی السلمی وان یفتح صفحة جدیدة مع کوبا بعد عقود من الحرب الباردة والعقوبات. السمسار ترامب الذی جاء من خارج السیاقات الحزبیة المعتادة وبشعبویة مریبة وتحت مظلة الحزب الجمهوری وتربع بشکل عجیب على عرش البیت الأبیض، یبحث عن دور مختلف لا یشبه اوباما ولا یشبه جورج دبلیو بوش... فاختار الارتجالیة والفوضى وإلغاء انجازات سلفه اوباما.
ترامب المهووس بالمال، إنزلق الى مواجهات مع اقرب حلفائه وهم الأوروبیین، فبات ینتقد حلف الناتو ویرید من شرکائه فی القارة الخضراء ان یکتبوا له شیکات بیضاء مما أثار حفظیتهم وجعلهم یفکرون فی بناء جیش اوروبی مستقل، علاوة على الاختلافات الإقتصادیة. ولم یتوان ترامب عن توجیه الإهانات الى حلیفه العربی الاقرب وهی المملکة السعودیة ووصفها بـ»البقرة الحلوب» لیبتزها بمئات ملیارات الدولارات ویقول إنه لولا الحمایة الأمریکیة لما صمدت السعودیة لأکثر من اسبوعین(رغم کل صفقات السلاح خلال عقود من الزمن!)،
وحتى کیان الاحتلال الإسرائیلی الحلیف الذی لا یتقدم علیه حلیف بات ینشد أمنه بالتنسیق مع روسیا نتیجة تطورات الملف السوری بخلاف التوقعات الأمریکیة.
وفی الوقت الذی تخسر فیه الولایات المتحدة حلفاءها وتجعلهم فی حیرة من قرارات ترامب الارتجالیة، فإن منافسی واشنطن یعززون نفوذهم السیاسی والتجاری والعسکری والامنی مثل روسیا والصین والاتحاد الاوروبی فی مناطق نفوذ تقلیدیة للولایات المتحدة مثل ترکیا أو القارة الأفریقیة. وحتى الدول العربیة التی تُصنّف بشکل ما ضمن المحور الأمریکی سارعت الى التطبیع مع الحکومة السوریة رغم ان الأصوات الأمریکیة لا زالت تتحدث عن تغییر النظام.
وبذلک فحقیقة الامر، أن الولایات المتحدة فی عهدها الترامبی زادت فی عزل نفسها عن حلفائها وتراجعت امام منافسیها، واصبحت غیر قابلة للثقة وقلیلة المصداقیة مما جعل کثیرون یبحثون عن توازنات مع قوى دولیة أو إقلیمیة تجعلهم فی مأمن من الاستدارات غیر المحسوبة لرجل البیت الأبیض فی قرارات تباغت حتى اقرب المقربین منه.
على هذا، فإن جولتی وزیر الخارجیة الأمریکی مایک بومبیو ومستشار الامن القومی جون بولتون للمنطقة بشکل متزامن، إستهدفت التحشید والتعبئة لإظهار القوة الأمریکیة لکنها بینت فی الحقیقة ان الأصوات الأمریکیة عندما تتعالى وعندما تکثر محاولات الإقناع الکلامی بقوتهم ودورهم، فان ذلک یدلل على تراجع واضح فی نفوذهم وقدرتهم على إدارة اللعبة فی الشرق الأوسط وحتى بنیامین نتنیاهو ومحمد بن سلمان باتوا یثقون بالرئیس الروسی فلادیمیر بوتین اکثر من ترامب لأنه یملک قراره الذی لا یخرج عن المألوف، بینما یکون نظیره الأمریکی فی ارتجالیة تجعله یقرر فی مکالمة هاتفیة، أو نصیحة من صهره، أو طلب من ابنته ایفانکا أو یبحث عن ممول لأی مشروع.
 


Page Generated in 0.0069 sec