printlogo


رقم الخبر: 136387تاریخ: 1397/10/22 00:00
انقلاب على الانقلاب





کل المؤشرات والمعطیات تقول، إن النظام السیاسی الفلسطینی، لم یعد صالحا للعیش، بصیغته الراهنة.
وکما کان متوقعا، ستذهب القیادة الفلسطینیة، بعد حل المجلس التشریعی، إلى مرحلة إعادة تعریف النظام الفلسطینی، واعتبار الحکومة الفلسطینیة القادمة حکومة منظمة التحریر، ولیست حکومة المرحلة الانتقالیة والسلطة الوطنیة.
وفی هذا الاتجاه تذهب تأکیدات، أحمد مجدلانی، بأننا الآن على عتبة مرحلة جدیدة عنوانها قرار المحکمة الدستوریة ببعدها السیاسی، وهو إلغاء رکن من ارکان المرحلة الانتقالیة - المجلس التشریعی -، وبأننا أمام اجراءات تتصل بتعاطٍ مختلف عن السابق مع حرکة حماس، حیث ستتجه القیادة الفلسطینیة، لتشکیل حکومة منظمة التحریر، معتبرا أن سحب الموظفین من معبر رفح البری، هو أولى الخطوات.
فلم یعد مقبولا بعد الآن، الاستمرار فی توطین الانقسام الفلسطینی، وأن یصبح مع الوقت ظاهرة طبیعیة، تنتظم ضمن تسلسل الأحداث وتراکمها، ولها أمراؤها وأبطالها، بعدما کان حالة شاذة ولقیطة فی المشهد الفلسطینی، وأن یکون وجود رأسین ونظامین وبرنامجین وجهازین إداریین وأمنیین، أحد سمات النظام السیاسی الفلسطینی. بحیث أصبح وجود هذه الازدواجیة والثنائیة فی النظام السیاسی أصیلا، وصار من الصعب فهم آلیات تمظهر السیاسة وتجلیاتها فی فلسطین، دون العودة إلى تلک الثنائیة وتلک الازدواجیة. لأن تلک الثنائیة تساعدنا فی فهم أعمق، لطبیعة صراع القوى السیاسیة فیما بینها، وهی التی تعکس توزیع السلطة والحکم وموازین القوى والتمثیل والشرعیة والجغرافیا على المسرح الفلسطینی. عاطف أبو سیف - لم یعد مقبولا کذلک.
نحن نتحدث الآن عن انقسام آخر، انقسام لا یتأسس على السیاسة وحدها وإنما على الجغرافیا أی انقساما جیوسیاسیا، الى الحد الذی فشلت کل الحوارات والاتفاقات والوساطات بل والضغوط الممکنة فی حله.
ونتحدث عن حرکة - أی حماس - بلغت الثلاثین، ولا تبدو وقد خاضت حروبها الثلاث مع إسرائیل، وواصلت حکمها لغزة کسلطة الأمر الواقع. وباختصار اجتازت تجاربها القاسیة والمکثفة، فی سبیلها الى التراجع او التخلی عن حکم غزة بصورة منفردة.
مرة ثانیة وثالثة ورابعة .... إنها لحظة التأسیس التی تفسر لنا کل ما جرى ویجری من صراع على السلطة بین الفلسطینیین، ومن عدم القدرة على کسر هذه الحلقة المفرغة للانقسام البغیض والمشین الذی طوى عقده الأول حتى فی ظل جولات المصالحة فی القاهرة، وفورة المبادرات التنظیمیة والنخبویة، وجفاف حلق الشعب الفلسطینی، وهو ینادی بالوحدة بین جانبی الوطن لمواجهة صفقة القرن، والتغول الاستیطانی فی الأراضی الفلسطینیة.
حرکة حماس تأسست کمشروع بدیل لمنظمة التحریر وحرکة فتح ... بدیل أیدیولوجی وسیاسی وثقافی واجتماعی، ونظرت إلى نفسها بأنها حرکة ربانیة ونخبة مصطفاة ومن أصحاب الأیادی المتوضئة فی مقابل العلمانیین والفاسقین والفاسدین.
ثم جاء انتقال «حماس» المفاجئ من هامش الحیاة السیاسیة والاجتماعیة والاقتصادیة إلى المرکز عقب فوزها فی انتخابات 2006، لیشکل ذلک نقطة تحول بالغة الأثر فی مسیرة الحرکة، ولتبدأ «حماس» مشروع دویلتها فی غزة حجراً فوق حجر.
خالد مشعل وفی لحظات مغادرته لرئاسة المکتب السیاسی لـ«حماس» أقر بأن حرکته أخطأت عندما استسهلت حکم قطاع غزة بمفردها عقب الانقسام، وظنت بأن زمن (فتح) مضى وحل زمن (حماس)، و(فتح) أخطأت عندما أرادت إقصاءنا.
وقال أیضا، إن الإسلامیین عموما ومنهم «حماس» وقعوا فی خطأین خلال وقت الثورات وأوقات الصعود، الأول عندما بالغوا فی تقدیر
الموقف وقلة الخبرة وغیاب المعلومة الدقیقة - حول حجمهم الحقیقی وقوة الخصوم، صعوبات الحکم وتحدیات السلطة ومتطلبات العمل السیاسی وتعقیدات الظروف الاقتصادیة، وسیکولوجیة المجتمعات التی یحکمونها وتوقعاتها-.
فیما یرى القیادی فی «حماس» غازی حمد بأن العلاقة بین «حماس» وقطاع غزة أشبه بالتوأمین السیامیین التی لا فکاک عنها، فهی علاقة نشأة وقیادة ثم علاقة حکم وسلطان، حیث أصبحت غزة بعد الانقسام مرکز قوة «حماس» ونفوذها التی تقابل به وتقارع سلطة ونفوذ رام الله!!!. ویضیف حمد إن حرکته أقنعت نفسها وکوادرها بأن غزة قد (تحررت) رغم إحاطة الاحتلال بها براً وبحراً وجواً.
ولقد أطلقت «حماس» شعارات کثیرة عززت هذا الارتباط وخلقت إحساسا کبیرا بالتعاظم - والکلام لحمد - مثل: «غزة المقاومة العزة ..غزة تنتصر ..غزة تقاوم، غزة تدافع عن شرف الأمة» وأصبح اسم غزة یتردد کثیرا فی الخطابات - أکثر من القدس والمسجد الأقصى -. وأدى ذلک إلى طغیان (غزة وسلاحها ومقاومتها) فی ثقافة وفکر الحرکة، وحجب عنها رؤیة الأفق الأوسع خارج نطاق هذه البقعة الجغرافیة الصغیرة.
وغابت عن حرکة حماس وهی ثملة ومنتشیة، بالفوز بالمجلس التشریعی، بدیهیات العمل السیاسی وحقائق النظام السیاسی الفلسطینی، ومضت فی معرکتها السیاسیة المرکبة مع السلطة وحرکة فتح دون أن تتوقف ولو قلیلا أمام حقیقة أن النظام الفلسطینی هو نظام رئاسی ولیس برلمانیا، وأن صلاحیات وسلطة الرئیس أکبر بکثیر من صلاحیات وسلطة رئیس الحکومة، وأن الحکومة التی ورثتها «حماس» عن حرکة فتح هی الابنة الشرعیة لاتفاقیة أوسلو التی من أهم بنودها الاعتراف بإسرائیل، وأن منظمة التحریر الفلسطینیة هی الممثل الشرعی والوحید للشعب الفلسطینی فی الوطن والشتات ولیست الحکومة الفلسطینیة!!
وما من شک، بأن مزاحمة حرکة حماس لـ»فتح» على السلطة، بشکل سافر، بدأ منذ العام 2006، حین حققت الأغلبیة البرلمانیة فی انتخابات المجلس التشریعی، وحین وجدت عوائق فی السیطرة الأمنیة حسمت الأمر عسکریاً. وحاولت منذ ذلک التاریخ، أن تبقى سلطتها الفعلیة فی قطاع غزة، مع تحریرها من تبعات الحکم، وأقصى ما هی على استعداد لتقدیمه الآن، هو منح السلطة الرسمیة سلطة شکلیة على غزة، مقابل تأبید سلطتها الفعلیة علیها، وکسر الحصار وضخ الأموال وتظهیر حماس کحرکة سیاسیة فی الضفة الغربیة، حیث یمکنها أن تعید تجربة غزة فی الضفة فی یوم ما، حین تحین لها الفرصة بذلک.
وفیما یدیر الفلسطینیون المعرکة بینهم بلا رحمة، وبکل هذا الصخب، بالعنف اللفظی تارة، والعنف الجسدی تارة أخرى، الذی وصل إلى حد اعتداء مسلح على فضائیة فلسطین فی غزة، واعتقال مئات الکوادر من حرکة فتح، لمنع الحرکة الأم، من الاحتفال بانطلاقتها، یدیر الإسرائیلی معرکة منظمة لإنهاء القضیة الفلسطینیة، والوجود الفلسطینی ـ تارکا، للإخوة الأعداء، مهمة القضاء على بعضهم البعض.
عریب الرنتاوی

 

 

Page Generated in 0.0058 sec