printlogo


رقم الخبر: 136386تاریخ: 1397/10/22 00:00
مسافرة الى سوریا.. والیکم انطباعاتی






قریبا من الواقع .. بعیدا عن السیاسة  صحیح أن المعرکة لم تنته بعد،  ولکن الصبح أصبح یأتیک معطرا برائحة انتصار لا یخفى عبقه.تراه فی عیون الناس،  تقرأه فی کلمات خطت على الجدران حتى ولو بخط ردیء، ولکنها کافیة لاعطائک شحنة من الأمل والتفاؤل، تلمسها فی هاجس ملح للجمیع للعودة الى الدار حتى وان کانت نصف مهدمة ونصف قائمة، وتستشعره فی عودة شبه طبیعیة لمسیر الحیاة فی المدارس.. الجامعات.. الأعمال.. فی الشوارع والأسواق والتی تعود لتدهشک بغزارة وتنوع بضائعها، لدرجة قد تقع فی فخ الشک،  بأنک تعیش فی بلد خاض ولا یزال یخوض معرکة وجودیة شعواء من أجل أن (تکون أولا تکون)، تزداد حیرتک حینما تقابلک جماعات لابأس بعددها من الزائرین العرب من لبنان او العراق أو الاردن حدیثا (بعد فتح معبر نصیب الحدودی بین سوریة والأردن) قصدوا سوریة إما للسیاحة أو للتبضع،  لدرجة أن تعلیقا طریفا کتب على مواقع التواصل الاجتماعی بخصوص تدفق الزوار الأردنیین الى سوریة (لم نعد نعرف من منا الخارج من الحصار).
وعلیک أن تکتم دهشتک لمرأى فرقا میدانیة طبیة تجوب الشوارع لاجراء لقاحات الأطفال لمن فاتتهم الفرصة لأسباب خارجة عن الارادة .أما إن کنت بخصوص قضاء أمر فی دائرة حکومیة فستستغرب أن الأتمتة وبآخر صیحاتها وتطوراتها التکنولوجیة أصبحت أداة العمل الأولى فی الادارات.
وعلیک ألا تستغرب التوزیع العادل للحصص الغذائیة للمواد الغذائیة الأساسیة وحتى لوقود التدفئة والسیارات بنظام الحصص المستقطعة لکل عائلة کل حسب عدد أفرادها درأً للجشع ولحرمان الفئات المعوزة. حرکة دؤوبة فی کل زاویة،  وعلى کل تفاصیل الحیاة تقنعک ایا کانت معتقداتک بأن ما یقال عن ما لا یقل عن خمسة عشر عاما من اعادة الاعمار لتعود البلد الى ما کانت علیه قبل الحرب لیست سوى أحادیث ستذهب أدراج الریاح، لسبب بسیط هو أن السوری بجیناته الاجتماعیة ولربما الوراثیة یمتلک ملکة التجدید والبناء والتطور، هو لن ینتظر البرامج الأممیة ولا حتى الحکومیة أو البنکیة لیبدأ اعادة اعمار سقف بیته الذی هوى،  ویکفی أن ترى المحاولات الفردیة للمواطنین لتهیئة منازلهم المدمرة،  وإعادة اعمارها حتى بقدراتهم الذاتیة البسیطة،  لتصل لقناعة تامة أن اعادة الاعمار قد بدأت حتى قبل أن تحط الحرب أوزارها وستکون ثانی الانتصارات والتحدیات بعد العسکری ولسبب بسیط وهو أنها احدى المبادئ الراسخة فی العقلیة السوریة، قبل أن تکون سیاسیة فی المحافل الدولیة، والتی وبدون شک ستمارس فیها کل أشکال الضغط،  الابتزاز، ولوی الأذرع .
ولکن هذا لا یمنع وجود تحدیات أخرى جدیة تواجه المواطن السوری فی حیاته الیومیة. ولربما أولها غلاء المعیشة وارتفاع الاسعار، امر یتدارکه کثیرون بحسن التدبیر والاکتفاء بمستلزمات الحیاة الأساسیة والاستغناء عن الکمالیات،  والبعض الاخر بتحویلات مالیة من الأهل والأقارب ممن هم وراء الحدود والذی یحیلنا موضوعهم الى تحد جدید أصبح یمثل وجعا للشعب السوری أینما کان، وهو التمزق الدیمغرافی الاجتماعی والعائلی الذی فرضته ظروف حرب شرسة أنتجت ملایین الأرامل والیتامى وأبناء الشهداء والعائلات الممزقة أطرافها بکل ما یعنیه ذلک من اضطراب للاستقرار المجمتعی والعائلی، عدا عن ملایین المهجرین لیس فقط خارج أرض الوطن بل وحتى فی الداخل السوری. فلم یعد غریبا أن تقابل مثلا أبناء عشائر دیر الزور یستوطنون أحواز دمشق، أو حتى بظاهرة أکثر طرافة زوال التقسیم السکانی الطائفی المموه والذی کان موجودا قبل الحرب لتجد أن کل الطوائف والملل والأدیان مجتمعة ومتعایشة فی منطقة واحدة طالما هی آمنة… ورب ضارة نافعة، قد یکون من الاجحاف اسقاط الوضع السوری فی دمشق العاصمة، على سیر الأحداث فی المحافظات والمناطق السوریة الأخرى. فدمشق تم تأمینها بشکل شبه کامل اثناء الحرب حفاظا على الدولة ومؤسساتها، مما أدى الى الحفاظ على سیرورة حیاة شبه طبیعیة فیها وفی المناطق التی بقیت خاضعة للدولة السوریة، مقارنة بالمناطق الأخرى التی کانت واقعة تحت مطرقة الارهاب بهدف التدمیر الممنهج لسوریة.
ولذلک فان التفاوت فی ظروف الحیاة بین المناطق والمحافظات  شیء لا بد من التنویه الیه باعتباره واقع ملموس. دوام الحال هو من المستحیلات السوریة، الذی یکاد یکون مبدأ ینقشه السوریون على کل حجر وحقل ومصنع، وفی کل حرفة ومهنة لأنه أولى دروس الحیاة یلقنها الأجداد والاباء لکل الأجیال القادمة، مما جعل من تلک الارض خلاقة مبدعة على الدوام حتى فی أحلک ظروف الحصار الاقتصادی، الذی عاشته سوریة فی ثمانینات وحتى تسعینات القرن الماضی، وفی ظروف استثنائیة قاسیة وطویلة فرضتها المواقف الوطنیة السوریة التی لم ترکع یوما لأعدائها ولم تتنکر لمبادئها ولم تترجل مطلقا عن صهوة جوادها العروبی الأصیل.
هی دعوة لزیارة سوریة وقد یکون من الصعب الان للبعض استقبال الدعوة لمثل هذه الزیارة،  فهی بنظرهم فعلا طوباویا کأن  تنادی للصلاة قبل موعدها،  ولکن عمق الموضوع هو أن زیارة سوریة وفی هذا التوقیت بالذات هی فرصة لأی انسان أیا کان وطنه..عاصمته.. قناعاته…مرجعیاته الفکریة والسیاسیة لیشاهد بأم عینه …
کیف تنتفض العنقاء من تحت الرماد .
استقبلتنا سوریة بالمطر،  وأبت الا أن تودعنا بزخات مطر رقراقة،  لتختلط علینا الأمور أهی دموع فراق أم هدیة وداع أم تأکیدا أخیرا لنا بأنها ستبقى بلاد الخیر الدائم.
د.نادیة الحکیم - «کاتبة من تونس»

 


Page Generated in 0.0054 sec