printlogo


رقم الخبر: 136297تاریخ: 1397/10/20 00:00
أمریکا الآن: لوحة تشکیلیة بلا ألوان ثابتة


عندما بدأت مؤسسات السیاسة الخارجیة الأمریکیة تبحث فی نهایة القرن العشرین عن رؤیة للسیاسة الخارجیة للقرن الجدید القادم، فقد حدثت عملیة تفاعل بین أفکار کلها متأثرة بصدورها فی فترة انتقال من حقبة من التاریخ سمیت بالقرن الأمریکی، إلى حقبة جدیدة تحمل من الشواهد ما یشیر إلى أن القرن الجدید قد لا یکون کسابقه.
وشعار القرن الأمریکی حمل فی بدایة ظهوره وانتشاره فی عام 1914، بریقا للشعور القومی جعل الأمریکیین یشعرون بأنهم قادرون على أن یطبعوا العالم بطابعهم، فی وقت کانت فیه شمس القوة الأمریکیة تبزغ بقوة على العالم. وأن الآخرین سوف ینظرون إلیها باعتبارها النموذج الملهم والمثل الذی یحتذى.
ولقد استحوذت الولایات المتحدة مع قوة صعودها على موازین القوة، ومفاتیح القیادة العالمیة، حین آل إلیها میراث الإمبراطوریة البریطانیة فی أوائل ستینات القرن العشرین. وإن کانت هناک قوى أخرى خلاف الولایات المتحدة تلعب أدوارا مؤثرة فی العالم فی تلک الفترة من التاریخ، منها روسیا، وفرنسا، وبریطانیا.
وأثناء تشخیص مؤرخی وعلماء السیاسة الأمریکیین للقرن الأمریکی، فإن منهم من شبهه بصعود الإسکندر الأکبر، وظهور إمبراطوریته العظمى فی القرن الرابع قبل المیلاد، وسیادة الإمبراطوریة الرومانیة فی القرن الأول قبل المیلاد، وإمبراطوریة الصین فی القرن الثالث عشر المیلادی والإمبراطوریة البریطانیة فی القرن التاسع عشر، وکلها تمتعت بوضع الهیمنة فی العالم.
ولما کان صعود دولة إلى أعلى مراتب النفوذ السیاسی، والقوة المهیمنة فی العالم، لا یأتی إلا إثر حدث بعینه مهما کان تأثیره. لکنه محصلة عملیة متصلة الأحداث والحلقات، وبالنسبة للولایات المتحدة فقد کانت هذه الحلقات تتکون مما وصلت إلیه الولایات المتحدة بدءا من عام 1880 إلى تقدم فی الإنتاج الصناعی، أوصل نصیبها من الإنتاج العالمی إلى 28.6% وبذلک تجاوزت الوضع الذی کانت تتمتع به بریطانیا کأکبر دولة صناعیة فی العالم، بالإضافة إلى ثرائها فی الإنتاج الزراعی، والموارد الطبیعیة، وبدء تشییدها أول سفینة للبحریة من الصلب، والتی تسیر بالبخار.
وتتابعت الحلقات باشتعال الحرب العالمیة الأولى عام 1914 حین أصبحت الولایات المتحدة قوة عظمى بالفعل، وتحولها إلى منافس اقتصادی قوی لأوروبا، باستحواذها على ما یزید عن 35% من الناتج الصناعی فی العالم، واحتلالها بسرعة المرکز الذی کانت تشغله بریطانیا، کمرکز للنشاط المالی العالمی.
ثم جاءت الحرب العالمیة الثانیة عام 1939، لتظهر الولایات المتحدة کقوة عظمى مسیطرة على الشؤون الدولیة، ورغم دخولها فی صراع الحرب الباردة مع الاتحاد السوفیتی، فقد تمتعت بقدرات مادیة إنتاجیة وعسکریة، لم یسبق أن بلغتها قوة دولیة أخرى، ولدیها نظام لحرکة مجتمع بالغة الدقة فی تغذیة شرایینه بأعلى المهارات من النوابغ والعلماء، وأصحاب الخبرات فی العالم، وقفزة هائلة فی التکنولوجیا الحدیثة، وکل ما تنتجه، حتى صار الاقتصاد الأمریکی ینتج ما یساوی 50% من الإنتاج العالمی، ووصل مستوى المعیشة إلى أعلى المستویات فی العالم.
وکان یسند ذلک فی الداخل توافق فرید بین توجهات الرأی العام، وصناع السیاسة الخارجیة، وفر لها أقصى تأیید لدورها السیاسی فی العالم. وضم هذا التوافق فی إطاره، الأحزاب على اختلافها، والمفکرین المنتمین إلى الیمین والیسار على السواء.
إلى أن بدأت الولایات المتحدة تشهد منذ فترة حکم أوباما، وهو ما ازداد قوة، مع مجیء ترامب إلى الحکم، غیاب مبدأ وطنی یکون هادیا سلیما للدولة، یتوافق علیه الجمیع.
وبدأت الانقسامات تظهر بقوة على مستویات الرأی العام، وأیضا فی صفوة النخبة التی کانت تؤسس لمعاییر السیاسة الخارجیة المطلوب اتباعها. وبدأت الولایات المتحدة تظهر فی مواقف سیاسیة خارجیة، سواء مع المنافسین، أو مع الحلفاء، فاقدة الاتجاه والهدف.
ولعل البروفیسور فینسنت أوجر أستاذ دراسات الأمن القومی بجامعة هارفارد، قد حاول تقدیم تشبیه رمزی لهذه الحالة، فقال: إن الساحة السیاسیة الأمریکیة قد تحولت إلى ما یشبه لوحة تشکیلیة تحت التکوین، تلقى إلیها الأیدی بلون، ثم تقذف علیها أیدی أخرى، أو حتى نفس الأیدی، بلون آخر قد یزیح اللون الأول من مکانه.
إن المشکلة الکبرى التی تواجه الولایات المتحدة الآن، تتمثل فی رغبة عارمة فی إبقاء أمریکا دولة مهیمنة، فی حقبة زمنیة صعدت فیها قوى دولیة سیاسیا، واقتصادیا، وعسکریا، إلى مستوى لا یسمح للولایات المتحدة عملیا الاحتفاظ بوضع الهیمنة.
وحتى لو ظلت متمسکة بهذا المفهوم، فإنه یمکن أن یقود إلى صدامات عسکریة، وهو أمر لم تعد الولایات المتحدة تتحمل نتائجه، ولن یتقبله الشعب الأمریکی.
لقد تجاوزت الولایات المتحدة عصر القرن الأمریکی، وهی الآن تعیش مرحلة انتقالیة التی یعقبها صناعة نظام دولی جدید، ولا بد أن تکون لقوى أخرى غیرها، إرادة فی تحدید طبیعة هذا النظام وشکله.
عاطف الغمری

 


Page Generated in 0.0055 sec