printlogo


رقم الخبر: 136268تاریخ: 1397/10/19 00:00
وقفة
اتفاق الحدیدة فی الیمن.. المعطیات التی أوجدته وأسباب تَعَثُّرِه

شارل ابی نادر

لم یشهد التاریخ الحدیث أو القدیم حرباً مماثلة للحرب على الیمن. لا فی غرابتها لناحیة تکتل أکبر عدد من الدول القادرة ضد دولة فقیرة وضعیفة، ولا فی ظلامتها وعدم قانونیتها حیث لا سبب منطقیا أو طبیعیا أو قانونیا أو عملیا یدعو لهذا التحالف ضد دولة لم یعتدِ شعبها على أی طرف من المعتدین، ولا فی استهتار المجتمع الدولی بنتائجها وبفظائعها وفی تقاعسه عن إیجاد حل عادل ومنطقی لها.
على المقلب الآخر، أیضاً لم یشهد التاریخ الحدیث أو القدیم شعباً قاوم وصمد فی هذه الطریقة الغریبة مثل الشعب الیمنی، فی ظل ما یملک من امکانیات متواضعة بسیطة، لا یمکن مقارنتها بمجموع ما یملک تحالف قوى ودول العدوان من أسلحة وتجهیزات وقدرات متطورة.
أمام الفشل والعجز عن الحسم ضد شعب أثبت أنه لا یرضخ وأنه یقاتل حتى النفس الأخیر وباللحم الحی، کان لا بد لهذا العدوان من مناورة تکسر هذا الجمود فی المیدان، وتجد حلاً لهذا العجز فی إحراز أی تقدم یسمح له بإحداث تغییر ولو بسیطا فی الستاتیکو، الذی اکتشف أنه لن یستطیع الخروج منه اذا سارت الأمور کما هی الآن، فاختار الرضوخ للتفاوض وبشروط الجیش واللجان الشعبیة التی طالما کان یرفضها، فکانت مفاوضات السوید وکان اتفاق الحدیدة.
إضافة للمأزق الذی وصل الیه العدوان والذی دفعه للسیر باتفاق الحدیدة، کانت لدى هذا العدوان أهداف میدانیة واستراتیجیة أخرى لهذا الإتفاق وهی:
- محاولة عزل الحدیدة عن الجبهات الأخرى بهدف إبعاد تأثیر الجیش واللجان الشعبیة عن البحر الاحمر، حیث استطاعت وحدات هؤلاء (الجیش واللجان) أن تخلق، وعبر قدراتها الصاروخیة البالیستیة، نقطة تأثیر استراتیجیة على الممر الحیوی لأغلب دول العدوان ولغیرها.
- انتزاع المیناء أو على الأقل تحییده، لنزع نقطة التواصل الأخیرة للجیش واللجان الشعبیة مع الخارج، ولحرمانهم من ممیزات المیناء الوحید، والمحرر نسبیاً من حصار العدوان المفروض على کافة معابر الیمن.
 - فصل ترابط وتماسک الموقعین الأقوى میدانیاً واستراتیجیاً وشعبیاً واقتصادیاً لدى الجیش واللجان الشعبیة: الحدیدة ومینائها عن العاصمة صنعاء ومحیطها.
- الترکیز على جبهات الداخل ودعمها بالقوى وبالقدرات العسکریة، بعد تحریر قسم کبیر من جهود العدوان التی سُخِّرَت لمعرکة الساحل الغربی وللحدیدة خاصة، والمؤشر لذلک الضغوط الواسعة التی یمارسها هذا العدوان حالیا على اکثر من جبهة داخلیة أو حدودیة شمالاً.
أما لناحیة الأسباب التی دفعت بالجیش واللجان الشعبیة للسیر بمفاوضات السوید والتی أنتجت اتفاق الحدیدة فهی:
- إظهار حسن النیة الدائمة نحو التسویة السیاسیة، حیث کانوا دائما یعبّرون عنها فی أغلب مناسبات مشاریع التفاوض، والتی کان یقابلها العدوان بالرفض والتعنت، فکان استعداد هذا العدوان لذلک مؤخراً فرصة أرادوها دائماً، المهم أن تبدأ هذه المفاوضات من أی مکان.
- سحب الذریعة التی کان العدوان دائما یتمسک بها ویستغلها فی الاعلام وفی الدبلوماسیة وفی المیدان ایضا، من أن میناء الحدیدة یشکل ممراً أساسیاً لإدخال الأسلحة والصواریخ وجزئیاتها للجیش واللجان ولأنصار الله، وبأن هؤلاء یسیطرون على أغلب مساعدات الامم المتحدة التی تدخل للشعب الیمنی.
- تخفیف الضغوط المیدانیة والعسکریة الکبیرة عن وحداتهم التی بذلت جهوداً ضخمة للدفاع والصمود فی الساحل الغربی وفی الحدیدة تحدیداً، أمام جحافل العدوان ومرتزقته المدعومة جواً وبحراً وبراً بشکل عنیف ومتواصل، مع الوصول میدانیاً لوضع یسمح بتحریر بعض تلک الوحدات والجهود لصالح المدافعة على الجبهات الداخلیة والشمالیة.
تضمنت المرحلة الاولى (العملیة) من اتفاق الحدیدة بدایة، بند تبادل لوائح الاسرى والمعتقلین، والتی تبین عند التدقیق فیها، أن العدوان ومرتزقته لا یملکون لوائح محددة بشکل تفصیلی واضح عن معطیات الأسرى والمعتقلین فی سجونهم، وظهرت الفوضى وعدم التنسیق والضعف فی آلیة ضبط هؤلاء المعتقلین، لناحیة عدم تحدید الجهة التی اعتقلتهم ومکان وجودهم، ناهیک عن أخطاء لا تحصى باسماء مکررة وباسماء من المحکومین بتهم ارهاب أو بتهم جنائیة کانوا حُکِمُوا بها سابقا
قبل الحرب.
البند الثانی من الإتفاق، والذی کان من المفترض أن ینفذ بالتزامن بین نقطتین: الأولى تسلیم الجیش واللجان الشعبیة میناء الحدیدة لخفر السواحل الیمنیة ولإدارة المیناء الرسمیة، والنقطة الثانیة کانت تقضی بانسحاب وحدات العدوان ومرتزقته من مداخل ومحیط الحدیدة الجنوبیة والشمالیة الشرقیة، مسافة کافیة لعودة الوضع الطبیعی الى المدینة، ولإعادة تواصلها الطبیعی والضروری مع العاصمة صنعاء ومع
المحافظات الشمالیة.
بعد تعثر تنفیذ بند تبادل الاسرى بسبب أخطاء العدوان ومرتزقته فی تحدید المعتقلین لدیه، المتعمدة أو التی حصلت عن ضعف فی السیطرة وفی الادارة، لم ینفذ العدوان بند اعادة الانتشار على محیط الحدیدة، بحجة ان خفر السواحل الذین استلموا میناء الحدیدة هم من انصار الله، فی الوقت الذی اثبتت ادارة المیناء ان جمیع عناصر خفر السواحل الذین استلموه هم من المسجلین على لوائح المیناء الرسمیة والمعروفین لدیها منذ ما قبل الحرب على الیمن.
صحیح أن الإتفاق قد تعثر تنفیذه حتى الآن بمرحلته الاساسیة الاولى، والسبب الإتهام المتبادل بین طرفیه بعدم تطبیق ما التزم به کل طرف کما ذکر اعلاه، ولکن یمکننا ان نستنتج من المعطیات والوقائع المتعلقة بعدم التطبیق، أن المشکلة الأساسیة والعمیقة التی تبعد الحل عن الحرب الیمنیة وتجعل الأمور معقدة وبعیدة عن التسویة هی:
یعتبر العدوان ومرتزقته أن (انصار الله) هم مجموعة غریبة عن الیمن، وبأنهم غیر مؤهلین لا قانونا ولا شرعا أن یتمتعوا بأی حقوق اداریة أو سیاسیة فی الدولة، وحین اعتبروا أن خفر السواحل هم من (انصارالله)، أی من الحوثیین، وبالتالی یکون بند تسلیم المیناء لم یطبق، کانوا یقصدون أن هؤلاء غیر مواطنین وغیر جدیرین باستلام أی مرفق فی الدولة، وهذه هی مشکلة الحرب الیمنیة والتی بدون اقتناع کل اطرافها فی الداخل وفی الخارج، أن جمیع المکونات الیمنیة لها نفس الحقوق والواجبات، لن یکون هناک حل لهذه الحرب، حتى ولو امتدت مئات السنوات.
 


Page Generated in 0.0052 sec