printlogo


رقم الخبر: 136030تاریخ: 1397/10/17 00:00
عین على الصحافة الاجنبیة
لماذا تنتصر «الدعایة الروسیة» على الدعایة الأمریکیة



نشر معهد واشنطن لسیاسات الشرق الأوسط مؤخرا تقریرا یتناول أسباب نجاح RT العربیة فی الوصول إلى المرکز الأول بین القنوات الإخباریة الناطقة بالعربیة على شبکة الإنترنت لعام 2018.
إجمالا، وعلى الرغم من تکرار الشعارات النمطیة المناهضة لروسیا، والارتباط السیاسی الواضح لهذا المعهد، إلا أن علینا الاعتراف بنزاهة موقف أصحاب التقریر فی الاعتراف بهزیمة الولایات المتحدة الأمریکیة إعلامیا، وموضوعیة تناولهم لنجاح RT العربیة، إلا أننی أود الإضافة إلى ذلک التقریر 3 نقاط، لم تکن الولایات المتحدة الأمریکیة لتسمح لأصحابه بالحدیث عنها.
1- لیس لدى روسیا أی أجندة أو مصالح تتعارض مع مصالح العرب الأساسیة، وکانت تلک الحقیقة سلیمة قبل الأحداث السوریة بنسبة 100٪، حیث کانت المصالح الأساسیة والعملیة لروسیا فی المنطقة هی (تعزیز أواصر الصداقة والعلاقات التجاریة بین الطرفین). بالطبع لم یعد من الممکن التأکید على أن المصالح الروسیة فی سوریا تستند الآن إلى ذلک المبدأ البسیط، وأن موقف روسیا لا یختلف مع مواقف بعض الدول العربیة بشأن سوریا، لکن بإمکاننا الآن أیضا أن نؤکد على التزام روسیا بالحیاد المطلق، وبمواقف الصداقة مع جمیع الدول العربیة بلا استثناء. فلا تحاول روسیا، مثلا، أن تزعزع استقرار المملکة العربیة السعودیة واللعب على تناقضاتها الداخلیة، على خلفیة الخلاف الروسی مع الریاض بشأن سوریا، لأن المصلحة الأساسیة لروسیا هی الحفاظ على الاستقرار فی المنطقة، وهو ما تترکز علیه کافة الجهود الروسیة.
أما الوضع بالنسبة للولایات المتحدة الأمریکیة والغرب، فإنه جد مختلف، حیث أنهم متورطون للحد الأقصى فی الألعاب السیاسیة فی المنطقة، من إزاحة لأنظمة، ومحاولات لزعزعة الاستقرار فی عدد من الدول، وأعاود التأکید متورطون (للحد الأقصى) فی بلدان عربیة، من العراق إلى فلسطین، ومن سوریا إلى السودان ولیبیا، ولا یوجد فی المنطقة لاعب أعظم تأثیرا منهم على زعزعة استقرار المنطقة.
فهل نندهش إذن لرد الفعل العربی تجاه ذلک؟
2- کذلک فإن لروسیا حق الحدیث عن أهدافها بشکل واضح، لأن أهدافها لیست منصبّة على استغلال العرب، واعتصار مواردهم وأموالهم. وحتى (الجوائز) الصغیرة، التی لا یمکن إغفالها، مثل قاعدة طرطوس (والتی کانت موجودة قبل الأحداث السوریة) متناهیة الصغر، وهی قطعا لیست السبب لوجود روسیا فی المنطقة.
وبالنسبة لسوریا وأی دولة مستعدة لإنشاء علاقات وثیقة مع موسکو، فإن روسیا، کما کان الأمر فی زمن الاتحاد السوفیتی، هی دولة متبرعة أکثر منها دولة منتفعة. والعلاقات بین روسیا والعالم العربی دائما ما کانت مصلحة متبادلة للطرفین، وفی أحیان کثیرة تستفید الدول العربیة الشریکة على نحو أکبر مما تستفید موسکو.
على عکس الولایات المتحدة الأمریکیة التی (تحلب) حلفائها العرب، فما بالک بالأعداء، حتى أن المملکة العربیة السعودیة، وهی دولة غنیة للغایة، تضطر الآن إلى الاستدانة من أجل تنفیذ برامجها الاجتماعیة، لأن تکلفة شراء الأسلحة الأمریکیة وسائر (الرشى) السیاسیة تخطّت کل الحدود المعقولة، وأصبحت تشکل عبئا کبیرا على المملکة.
إن روسیا تلعب على المکشوف، وکل شریک لروسیا یعرف ماذا یعطی وماذا یأخذ فی المقابل، وروسیا تلتزم بجمیع تعهداتها، وعلى خلفیة ذلک یبرز مثال خیانة الأمریکیین للأکراد، الذین استغلتهم الولایات المتحدة الأمریکیة لحرب جیرانهم من الشعوب الأخرى، ممن یشاطرونهم المعیشة، ثم ترکتهم على قارعة الطریق مثل خرقة بالیة مستهلکة، کمثال واضح على السیاسة الأمریکیة، وتناقضها مع السیاسة الروسیة.
إن ذلک کله یمنح RT العربیة القدرة على التزام الحیاد، والالتزام باستقلال وموضوعیة التناول، وأن تکون منصة للقوى السیاسیة المختلفة، بما فی ذلک المتناقضة والمتصارعة فیما بینها، وحتى للمعارضین السوریین، لأن الاستقرار بالمفهوم الروسی یبنى على توازن المصالح، ولابد من أخذ مصالح المعارضة السوریة فی الاعتبار. علاوة على ذلک، فإن RT العربیة لا تزعم امتلاک الحقیقة المطلقة (وکان ذلک أیضا سببا فی هجوم أصحاب التقریر علیها، ما أثار دهشتی).
فی المقابل، تبقى وسائل الإعلام الأمریکیة أسیرة فی قفص المصالح الأمریکیة الضیقة، بکل ما تحمله من شعارات وأختام دعائیة نمطیة. فإسرائیل بالنسبة لهم، على سبیل المثال، هی الدیمقراطیة الوحیدة فی الشرق الأوسط، بکل ما تحمله هذه المقولة من تبعیات الدعم المطلق وغیر المشروط لها.
إن الصحافة الأمریکیة أحد أکثر الصحافات المحتکرة والمؤدلجة على مستوى العالم، والتی تعج بأکبر عدد من (الکلیشیهات المحفوظة) والتابوهات، ولسوء طالع الولایات المتحدة الأمریکیة، فإن هذه التابوهات، أولا، لا تتسق مع الواقع بأی شکل من الأشکال، وثانیا، لا تتفق مع آراء معظم العرب.
وأعتقد أن ذلک أمر مفهوم للمشاهدین العرب، لکن المدهش هو عدم قدرة الباحثین الأمریکیین على فهم ذلک.
3- أما النقطة الثالثة والأساسیة هو أن الولایات المتحدة الأمریکیة لم تعد تحظى بأی سلطة أخلاقیة، ولا حتى (قصة نجاح) یحتذى بها بعد فضائح التعذیب فی سجن أبوغریب، وقضیة سنودن بشأن تجسس أجهزة المخابرات الأمریکیة على المواطنین الأمریکیین والأجانب، وقمع مظاهرات السود، وکومیدیة فضیحة (رشاغیت)، وبعدما اتضح لنا جلیا مدى تلاعب مؤسسات الإعلام الأمریکیة بالرأی العام، وعقب الأزمة الاقتصادیة عام 2008 وانهیار البورصات عام 2018.
أذکر جیدا تسعینات القرن الماضی، وعقب انهیار الاتحاد السوفیتی، حینما کان المعیار الأساسی أثناء اتخاذ الکثیر من القرارات فی روسیا هو (کما فی الغرب)، و(کما فی أمریکا).
لقد ولّت تلک الأیام بلا رجعة، ولا یقتصر الأمر على روسیا وحدها، بل یشمل العالم أجمع، فقد فقدت الولایات المتحدة الأمریکیة مصداقیتها بشکل منهجی، وأصبحت تکذب بفجاجة على العالم وعلى نفسها. وإذا کان الشعب الأمریکی لا یزال خاضعا لمؤسسات دعایته، فإن أحدا لم یعد یصدّق هذه المؤسسات خارج حدود الولایات المتحدة الأمریکیة، وأصبحت محاولات الولایات المتحدة تعلیم الجمیع أصول حقوق الإنسان، بعد سجن أبوغریب، وقضیة سنودن، تثیر الضحک والسخریة. ولیس تحوّل الرئیس الأمریکی، دونالد ترامب، من (القوى الناعمة) إلى العقوبات والحروب فی تعامله مع العالم، سوى رد فعل واعتراف أمریکی بهذه الحقیقة، حتى وإن کان اعترافا غیر معلن حتى اللحظة.
قد لا تکون روسیا حتى الآن مثالا یحتذى به، لکن الولایات المتحدة الأمریکیة لم تعد قطعا مثالا یحتذى به.
یشیر ما سبق إلى حقیقة متناقضة، هو أن وصفة النجاح لأی حملة إعلامیة ضد الولایات المتحدة الأمریکیة هی أن تقول الحقیقة، لأن الحقائق الموضوعیة السلبیة حول الولایات المتحدة الأمریکیة من الکثرة بحیث لا یتعیّن على أی أحد أن یبتکر شیئا من بنات أفکاره، وإنما علیه ببساطة قول الحقیقة.
فی المقابل فإن الولایات المتحدة استسلمت لإغراء وصم أی معلومة سلبیة عنها بالـ(دعایة)، بینما ذهب تقریر معهد واشنطن فی ذلک بعیدا، حتى أنه لم یعد یرى فی تعدد وتنوع مصادر المعلومات، والتحقق من المعلومة من خلال الشک، المتمثل فی شعار قناة RT (إسأل أکثر) سوى شر مطلق. وکل من تسوّل له نفسه بنطق الحقیقة عن الولایات المتحدة الأمریکیة، هو عدو لأمریکا، و(دعایة)، وبالتالی تصبح RT الروسیة (دعایة روسیة)، لکن صراع الحقیقة وکل المحاولات الأمریکیة لطمسها سوف یکون مصیره الفشل.
فالنخب الأمریکیة، والمجتمع الأکادیمی قد أصبحوا ضحایا للتنویم المغناطیسی الذی یمارس علیهم، وأصبحوا عاجزین عن الفهم والاعتراف بأن السبب فی الفشل إنما هو سبب داخلی، ولیس خارجیا. وأنه إذا کان الخلل قد أصاب النخب الأمریکیة فی تناولها الواقع بموضوعیة، فإن ذلک یعنی بالنسبة لی، کمراقب من الخارج، عجز الولایات المتحدة الأمریکیة على نحو جذری عن الخروج من أزمتها.
ألکسندر نازاروف

 


Page Generated in 0.0072 sec