printlogo


رقم الخبر: 135680تاریخ: 1397/10/12 00:00
أمریکا إلى أین فی العام الجدید؟



أحد الأسئلة العمیقة المطروحة على أی محلل سیاسی فی نهایات عام وبدایات آخر هو ذاک المتعلق بالولایات المتحدة الأمریکیة وإلى أین تمضی فی العام الجدید؟ ولعل أهمیة السؤال تتأتى من کون واشنطن حتى الساعة تبقى مالئة العالم وشاغلة الناس، ویکفی أن نتطلع إلى الارتدادات المثیرة التی ولدتها دعوة الرئیس دونالد ترامب لسحب القوات الأمریکیة من سوریا، رغم أن عددها لا یتجاوز الألفی جندی، وتالیا استمعنا عن خطط أمریکیة لسحب نحو خمسة آلاف جندی من أفغانستان،
فقد ثارت التساؤلات العمیقة ولا یزال البحث عن الإجابات قائم عن السر وراء قرارات الرئیس ترامب، وهل الرجل یهیئ المسرح الداخلی الأمریکی لانتخابات الرئاسة 2020، من خلال الإیفاء بوعده السابق، أی سحب کافة القوات الأمریکیة الموجودة على الجبهات الخارجیة، وعدم التبرع بالدماء الأمریکیة من أجل الآخرین، الأمر الذی عبر عنه منذ أیام بقوله: (أمریکا لیست شرطی العالم).
لتکن بدایة المشهد الأمریکی من عند الرئیس ترامب، الذی أضحى حجر عثرة عند کثیر من الأمریکیین فی الداخل والسؤال متعلق بمستقبل الرجل السیاسی لاسیما فی ظل إشکالیة روسیا – غیت، التی تطارده بقوة، ویمکن أن تؤثر على حظوظه فی رئاسة ثانیة بشکل سلبی أو إیجابی. المؤکد أن هناک عقبات عدیدة ینبغی لترامب القفز علیها حتى ینجو من الفخاخ المنصوبة فی طریقه، والخوف الکبیر من أن یکون رجالاته هم من سوف ینقلبون علیه، وفی المقدمة من هؤلاء الجنرال (مایک فلین)، الرجل الذی اختاره ترامب لیضحى مستشارا للأمن القومی فی إدارته قبل أن یعزله، بسبب علاقته بترکیا وروسیا، ویبدو أن (فلین) توصل إلى صفقة بعینها مع مولر، صفقة تغسل یدیه من الاتهامات وتحیل بل وتکیل کافة الاتهامات للرئیس.
لن یکون العام 2019 عاماً یسیراً بالنسبة للرئیس الأمریکی بلا شک سیما إذا أحکم مولر ولجنته الخناق حول مصیر الرئیس، لکن من جهة أخرى فإن مسألة عزل ترامب لیست أمراً هیناً أو سهلاً، فقد حدد الدستور الأمریکی الأطر العامة لإجراءات عزل الرئیس، وذلک فی المادة الأولى التی تتعرض للکونجرس وصلاحیاته، وفی المادة الثانیة التی تتناول الرئیس وصلاحیاته، کما أن الرأی العام الأمریکی یلعب دوراً مهماً فی الضغط عادةً لجهة العزل من عدمه، وغیر خافٍ عن الأعین أن جهات عدیدة من الأعلام الأمریکی لیست صدیقة للرئیس، ما ولد تحرکاً شعبیاً فی الداخل حمل اسم Need to Impeach، لتعبئة المواطنین الأمریکیین للضغط على ممثلیهم فی الکونجرس، لبدء إجراءات عزل الرئیس، وقد وضعت الحرکة عریضة على موقعها الإلکترونی للمطالبة بعزل ترامب، ووقع علیها حتى الآن أکثر من ستة ملایین أمریکی.
وإذا ترکنا الرئیس وانتقلنا إلى النظام السیاسی الأمریکی فإننا سنجد اتهامات من جدید الأیام الماضیة من قبل الأجهزة الأمنیة والاستخباراتیة الأمریکیة لروسیا بنوع خاص، والجدید أنها لا تتحدث عما جرت به المقادیر فی انتخابات الرئاسة الأمریکیة 2016، بل انتخابات التجدید النصفی للکونجرس فی نوفمبر الماضی، وما یلقیه هذا الاتهام من ظلال على انتخابات الرئاسة 2020 من جهة، وعلى العلاقات الروسیة الأمریکیة من ناحیة أخرى.
یوماً تلو الآخر یتعقد المشهد من واشنطن إلى موسکو، وربما آخر تلک الإشکالیات الانسحاب الأمریکی المتوقع من اتفاقیة الصواریخ النوویة البالیستیة متوسطة المدى، والردود التی سیشهدها العالم من موسکو على الفعل الأمریکی حال حدوثه بالفعل، ذلک أن بوتین ومؤسسته العسکریة قد صرحوا أکثر من مرة بأنهم سیجدوا أیادیهم حرة فی العودة إلى إنتاج صواریخ من ذات النوعیة، والمتابع لصراع التسلح الجاری والضاری بین موسکو وواشنطن یدرک بالفعل أن القادم لن یکون طیبا بحال من الأحوال.
والثابت کذلک أن المواجهة بین القوتین الکبریین، بها من الصراع السیاسی ما هو لیس أقل من نظیره العسکری، ولنا فی أحادیث الانسحاب من سوریا وأفغانستان مثال للتحلیل والشرح.
لا تقتصر مواجهات واشنطن – موسکو على ما تقدم، ففی رؤیة استشرافیة مثیرة للجدل، کتب (دیمتری موسلوف) نائب مدیر مرکز الدراسات الأوروبیة والدولیة فی المدرسة العلیا للاقتصاد فی موسکو عن ثلاثة سیناریوهات یمکن أن تؤدی إلى اشتعال الحرب بین روسیا وأمریکا... ماذا عن ذلک.؟
أولا: الخطر الأول یتمثل فی إمکانیة تحول الحرب الباردة إلى ساخنة بالتهدیدات السیبرانیة، وهناک رؤیة محتملة لأن یظن أحد الطرفین أن الهجوم السیبرانی بدایة لهجوم عسکری واسع النطاق، مع الأخذ بعین الاعتبار هنا احتمال قیام جماعات إرهابیة بدور خداعی لإقناع الطرفین بأن هناک هجوما فعلیا، أی نصب شباک الحرب بین الجانبین، وهو سیناریو کنا نظن إلى وقت قریب أنه نموذج هولیوودی فقط، إلى أن تأکد الجمیع من احتمالات حدوثه بالفعل.
أما الإشکالیة الثانیة فتتصل بسباق التسلح غیر المنضبط الناجم عن انسحاب الولایات المتحدة من معاهدة الصواریخ المتوسطة وقصیرة المدى.
وأخیراً یمکن أن یرتبط السیناریو الثالث، ارتباطاً مباشراً بسوریا أو منطقة البحر الأسود، حیث تنشط موسکو وواشنطن فی ساحة عملیات واحدة، أو یحتمل نشاطهما إذا استمرت الولایات المتحدة فی دعم استفزازات أوکرانیا بحسب رؤیة الروس لها.
ماذا عن وضع الولایات المتحدة والصین فی العام القادم وهل سیکون عام سلام ووئام أم کراهیة وخصام، یمکن من جرائهما الانزلاق فی الفخ الذی أطلق علیه فخ (ثوسیدیدس) نسبةً إلى الفیلسوف والمؤرخ الإغریقی الذی تحدث عن تاریخ الحرب (البیلوبوبنسیه)، وکان أول المؤرخین الذی أعطوا للعوامل الاقتصادیة الاجتماعیة أهمیة خاصة، والفکرة هنا هی أن الصعود القوی للغایة اقتصادیا وعسکریا للصین، فی مواجهة أمریکا الماضیة قدماً وراء استراتیجیة الهیمنة على العالم طوال القرن العشرین، سیجعل الصدام بین القوتین أمرا لا مفر فیه فی المدى المنظور.
تتصارع واشنطن مع بکین حول قضایا اقتصادیة عدیدة، والمتابع لسیر العلاقات بین الجانبین یرى أنه منذ أن کان ترامب مرشحا رئاسیا وهو لا یحمل خیراً کثیراً أو قلیلاً للصین، بل یراها العدو الأکبر والأول اقتصادیاً على الأقل، ولهذا کانت هناک وطوال العام الماضی إرهاصات لحرب اقتصادیة بین البلدین، قبل أن یتوصلا معاً إلى ما یشبه الهدنة طوال ثلاثة أشهر.
لکن الجانب الاقتصادی لیس هو الإشکالیة الکبرى، فهناک قصة بحر الصین الجنوبی والذی تصر واشنطن على أنه لا یتبع الصین وأنه میاه دولیة، فیما الصین تدعی ملکیتها للجزء الأکبر فیه، ومؤخراً أعلن نائب وزیر الخارجیة الصینی (تشینج تشیجوان)، أن بلاده تملک کل الحق فی الدفاع عن سیادتها ومیاهها الإقلیمیة فی بحر الصین الجنوبی. السؤال الحساس بدوره هل یمکن لسبب أو لآخر أن تشهد نوعا من الصراع العسکری بین البلدین؟
تبقى کل الاحتمالات واردة وبقوة، فالصین صنعت جیلاً جدیداً من الصواریخ العابرة للقارات، ونشرت نحو ألف صاروخ متوسط المدى، وعززت أسطولها الحربی، أما الولایات المتحدة، فهی تعزز منظومة الدرع الصاروخیة الموجهة ضد الصین رداً على ذلک، إضافة إلى ذلک فإن واشنطن تعمل بسرعة کبرى على إنشاء درعها الفضائی لیکون بمثابة الشبکة الفضائیة التی تحمی سماوات واشنطن من أی اختراقات صاروخیة صینیة أو روسیة فی المستقبل، والجانب الآخر لبرنامج القوة الفضائیة الصینیة موصول ولا شک بأسلحة اللیزر الفضائیة الأمریکیة لملاقاة الخصوم.
الجزئیة الأخرى فی علاقات أمریکا بالعالم الخارجی تتصل بالقارة الأوروبیة، والتطورات التی بلغت حد التدهور بین جانبی الأطلسی، وقد تعرضنا فی مقالات سابقة لما یجری فی أوروبا بمفردها، فیما البعد الأمریکی – الأوروبی، یبقى مثار بحث وتساؤلات عمیقة، لاسیما فیما یخص التحالف الإستراتیجی منذ نهایة، الحرب العالمیة الثانیة، ونشوء وارتقاء حلف الناتو.
أنصرم العام 2018 مخلفاً وراءه خلافاً عمیقاً بین الجانبین، فترامب لا یزال یتعاطى بعقلیة صانع العقارات وبائعها، لا بعقلیة السیاسی الذی یتوجب علیه الحفاظ على الرابط الوثیق مع الحلفاء، ولهذا یکثر من ضغوطاته على الأوروبیین لزیادة مساهماتهم المالیة فی نفقات الناتو.
هذا المشهد لم یعد الأوروبیون یقبلونه، ولهذا استمعنا إلى صیحات ماکرون المطالبة بجیش أوروبی موحد، وبعدم استیراد أسلحة من أمریکا، وقد أیدته ألمانیا فی الطرح عینه، ما جعل عمودی الخیمة الأوروبیة فی سجال مستقر ومستمر مع الأمریکیین.
فیما الإشکالیة الأکبر المنطلقة فی الأفق تلک المتصلة بما أطلق علیه البعض (فجر أوراسیا) أی سالتحالف الجدید الذی یمکن أن ینشأ بین أوروبا وروسیا، وهو أمر کفیل بأن یصیب الهیمنة الأمریکیة حول العالم أصابة جسیمة....
وفی کل الأحوال سیکون 2019 عاماً مثیراً فی الداخل الأمریکی... دعونا ننتظر وننظر.
إمیل أمین

 


Page Generated in 0.0063 sec