printlogo


رقم الخبر: 135555تاریخ: 1397/10/10 00:00
وقفة
طهران، وانسحاب القوات الأمریکیة من المنطقة

 سید حسین موسویان

أصاب الرئیس الأمریکی ترامب العالم بالدوار عندما أعلن عن سحب القوات الأمریکیة من سوریا، فموسکو لم تصدق الموضوع، فیما تعاملت طهران معه برباطة جاش، واغتنمته انقرة لتمریر نوایاها فی سوریا، بینما شعر أعضاء الناتو بالقلق وأعلن الحزبان الرئیسیان فی أمریکا وهما الدیمقراطی والجمهوری عن مخالفتهما له، وهُزم فریق ترامب للأمن القومی باستقالة ماتیس.
اما الموضوع فهو بسیط وفی الوقت ذاته معقد.
1- بسیط لان ترامب عندما بدأ حملته الانتخابیة أعلن بشفافیة وصراحة، انه سیسحب القوات، منتقدا الرئیسین السابقین جورج بوش الجمهوری بسبب الحرب فی العراق وافغانستان، واوباما الدیمقراطی بسبب مواصلة التواجد العسکری فی المنطقة.
 وبعد دخوله البیت الأبیض وأصل ترامب الإدلاء بمثل هذه التصریحات بلهجة أقوى دون ان یتوقف عنها، وقد أکد فی إجتماع لمجلس الأمن القومی الأمریکی فی فبرایر الماضی على وجوب بدء عملیة الإنسحاب من سوریا، فیما دعا کل من الجنرال ماتیس وزیر الدفاع وجوزیف دانفورد رئیس الأرکان العامة للقوات المسلحة الى إبقاء القوات الأمریکیة لفترة طویلة فی منطقة الشرق الأوسط، معلنین ان سحبها سیخلق فراغا تستغله روسیا وإیران وترکیا.
وکان جون بولتون مستشار ترامب فی الأمن القومی یتخذ موقفا أکثر رادیکالیة من الاثنین على الدوام، اذ انه یدعو الى تکثیف التواجد العسکری وحتى الى تغییر النظام فی کل من إیران وسوریا، فی حین یتخذ مایک بومبیو وزیر الخارجیة موقفا بین هذین الرأیین، وقد أعلن أغلبیة الحاضرین فی ذلک الاجتماع معارضتهم لموقف رئیس الجمهوریة. وفی اجتماع مجلس الأمن القومی الأمریکی فی شهر مایو الماضی، طلب القادة العسکریون مهلة من رئیس الجمهوریة
للتخطیط والعمل لسحب القوات من دون تعیین موعد لبدء العملیة ولعلهم کانوا بصدد التلاعب بالزمن حتى ینتهی عهد ترامب، فیما أبلغهم ترامب بکل صراحة انه یمنحهم فرصة ستة أشهر لوضع التمهیدات اللازمة، وانه لن یقبل بعدها أیة ذریعة منهم، وفی نهایة الأمر أعلن ترامب عن قراره سحب القوات من سوریا فی نهایة الأشهر الستة بالضبط من دون إستشارة قادة القوات المسلحة.
الجنرال ماتیس استقال، وقادة القوات العسکریة فی المنطقة اصیبوا بصعقة وانزعجوا وشعرت (اسرائیل) والسعودیة وسائر حلفاء أمریکا الاقلیمیین بالحزن واصابتهم الخیبة، لان قرار ترامب لا یقتصر على سوریا، فهو یعتقد حقا ان أمریکا یجب ان تسحب جمیع قواتها من منطقة الشرق الاوسط تدریجیا، وان لا تقوم بدور شرطی العالم، ولا تکون بصدد تغییر الأنظمة، وکرر مرارا ان أمریکا أنفقت سبعة الاف ملیار دولار على الحروب فی المنطقة، ولم تحصد سوى آلاف القتلى والجرحى وانتشار الارهاب، ویرى ترامب ان استمرار هذه العملیة، أی انفاق آلاف الملیارات الاخرى من الدولارات فی السنوات القادمة، فی حین یجب انفاقها داخل أمریکا على الازدهار الاقتصادی وکذلک لاحتواء الخصوم الرئیسیین، أی الصین والهند واوروبا. ان ترامب یصر على ان الدول الثریة فی المنطقة کالسعودیة والامارات هی التی یجب ان تنفق على الاقل جزءاً من التلیریونات السبعة، وان تدفع ذلک من جیوبها من الان فصاعدا.
2 - والموضوع معقد، لان لأمریکا عشرات الآلاف من القوات العسکریة فی المنطقة، وان سحبهم یستغرق سنین طویلة، بینما حلفاء أمریکا فی المنطقة ضعفاء ولا یتحملون عبء هذا الموضوع الکبیر، وخصوم أمریکا فی العالم والمنطقة وخاصة روسیا وإیران مترصدون وقس على هذا. من الجلی ان مستقبل هذه العملیة سیکون حیویا بالنسبة للقوى الاقلیمیة والعالمیة وهناک عاملان قد یؤثران على مواصلة هذه العملیة:
1 - الموضوع الاول، هو ان ترامب سیحتاج الى فریق أمن قومی موحد یتفق معه، ولو تمکن من إحلال وزیر دفاع متفق معه بدل ماتیس، فسوف یتمکن من ان یغیر فی المراحل اللاحقة أعضاء رئیسیین لا یتفقون معه فی الفریق الأمنی القومی وقد یشمل بولتون ایضا.
2 - الموضوع الثانی، هو ان ترامب یواجه داخل أمریکا أغلبیة معارضة له لتمریر استراتیجیته الضخمة هذه، فهذه الأغلبیة تتحدث باستمرار عن خطر استغلال إیران وروسیا لضعف (اسرائیل) وسائر حلفاء، أمریکا فی المنطقة وسیوظفون على هذه المواضیع فی المستقبل ایضا.
فی موضوع الإتفاق النووی، عارض الدیمقراطیون وفریق من الجمهوریین إنسحاب ترامب من الإتفاق، فیما تتفق الأکثریة فی الحزبین من حیث المبدأ على موضوع إنسحاب القوات الأمریکیة من المنطقة، لکی تتمکن أمریکا من الترکیز على قوى شرق آسیا، لکن الأکثریة هذه فی الوقت ذاته تعارض قرار ترامب لانه مُتسرّع وفی غیر محله ومن دون بدیل مناسب، وعلیه تشعر هذه الأکثریة بقلق بالغ من إزدیاد القدرة الاقلیمیة لروسیا والصین وإیران ومن إضعاف تل أبیب والریاض وسائر حلفائهم العرب، لذلک فهم سیتعطشون لأی شعار أو خطوة بإمکانهم إستخدامها لافشال استراتیجیة ترامب ووقف عملیة الانسحاب، وبناء على ذلک فان مواقف وسلوکیات الدول المعنیة سواء الحلیفة لأمریکا او المعارضة لها فی المنطقة ستکون حاسمة فی هذه الخصوص.
التغییرات المهمة التی أجریت على النظام الحکومی فی السعودیة وتسرّع الامارات والبحرین فی إفتتاح سفارتیهما فی دمشق، وإحتمال التحاق سائر الدول العربیة بهذه العملیة قریبا، وترحیب الریاض وابوظبی والقاهرة بموسکو، وتعجیل اردوغان فی إعطاء الطمأنینة لترامب بشأن الأوضاع بعد الانسحاب و.. جمیعها على إرتباط بهذا الموضوع.
وعلیه، فإن هذا الموضوع خلق ظروفاً جدیدة بعد إنسحاب ترامب من الإتفاق النووی تکون فیها حظوظ الفرص بالنسبة لإیران أکثر من التهدیدات لها، وان استراتیجیة طهران خلال الأشهر والعامین القادمین قد تلعب دوراً مهما فی مصیر استراتیجیة ترامب ومستقبل المنطقة.
اما الاجراءات التی قد تتسبب فی إضعاف معارضی استراتیجیة ترامب لسحب القوات الأمریکیة من المنطقة وبالمقابل طبیعة الاجراءات التی قد تؤدی الى تقویة هذه الاستراتیجیة والتسریع فیها، فهی الاجراءات التی تساعد على الحد من الخلافات بین إیران وجیرانها من الدول العربیة وتحقیق الوفاق الاقلیمی، وهی من الأمور التی یجب على الاستراتیجیین فی طهران تحدیدها وتفعلیها لکی یؤدوا بصواب واجبهم التاریخی والحساس للغایة.
* دبلوماسی إیرانی سابق واستاذ باحث فی جامعة برینستون الأمریکیة
ترجمة: علی جایجیان


Page Generated in 0.0193 sec