printlogo


رقم الخبر: 135395تاریخ: 1397/10/9 00:00
الانسحاب الأمیرکی من سوریة.. الخطط والبدائل




شکل إعلان الرئیس الأمیرکی دونالد ترامب قراره سحب جنود الاحتلال الأمیرکی من سوریة مفاجأة للکثیرین فی سوریة وخارجها، حیث کثرت التحلیلات، والتقدیرات التی تقف خلف هذا القرار، والحقیقة أن الأسباب الحقیقیة وراء هذا الانسحاب هی التی تهمنا، ولیس ما یحاول البعض تسویقه لنا من أن واشنطن اتخذت قرارها عن طیب خاطر، وأن بإمکانها البقاء لفترة أطول من دون أن تعیر انتباهاً لأحد، أو من دون أن تأخذ بالاعتبار التحولات المیدانیة الکبیرة التی أنجزها الجیش العربی السوری، والحلفاء خلال عام 2018 وقبله، وهی أحد أهم العوامل التی دفعت ترامب لاتخاذ قراره بالانسحاب على الرغم من معارضة البنتاغون الواضحة، والتی أطاحت برأسه أی وزیر الدفاع جیمس ماتیس.
تفید الدراسات التی تصدر فی الولایات المتحدة الأمیرکیة، والتی یُسرب جزء منها أن قرار الانسحاب کان مخططاً له، ولم یکن مفاجئاً حسب ما أفادت به «مجموعة الدراسات الأمنیة» التی نشرت جزءاً من وثیقة سریة کانت قد أعدتها للبیت الأبیض فی أوائل العام 2018، ونشرت نسخة عامة منها بتاریخ 8 نیسان 2018، وزودت الإدارة الأمیرکیة بنسخة منها أکثر تفصیلاً حسب زعمها، وهی بعنوان «الانسحاب الأمیرکی من سوریة لم یکن غیر مخطط له: نشر الوثیقة السریة من مجموعة الدراسات الأمنیة إلى البیت الأبیض»، وتفید هذه الوثیقة بما یلی:
1 -لم یکن قرار الرئیس ترامب سحب القوات الأمیرکیة من سوریة مفاجئاً فهو کان قد صرح أحیاناً بإمکانیة القیام بذلک، ولکن یبدو أن الإعلان قد أصاب بعض أفراد الأمن القومی بالصدمة، إلا أن التخطیط لاحتمال کهذا کان قائماً منذ فترة.
2-کان المخطط له أن یتم تسلیح العشائر فی تلک المنطقة، لیتحولوا إلى میلیشیات، وقوات شرطة کی یحموا أنفسهم، وأما القوات الکردیة فسوف تستمر بحمایة مناطقها، ویکون ذلک بالتعاون مع ترکیا والسعودیة والأردن، وحلفاء إقلیمیین آخرین لتوفیر موارد، ومساعدة أمنیة، والهدف منع إیران حسب الدراسة، من تثبیت جسر نحو البحر المتوسط.
3-إن أحد أهم دوافع الانسحاب حسب الدراسة الأمیرکیة هو نقاط ضعف القوات الأمیرکیة، التی تتمثل فی:
توزع عناصر القوة الأمیرکیة بشکل معزول بعضهم عن بعضهم الآخر فی أماکن عدة، وتشاطرهم المناطق مع میلیشیات محلیة لا یمکنها الصمود أمام أی هجوم منظم من السوریین وحلفائهم أو الأتراک، حتى تمرکز القوات الأمیرکیة فی العراق هو فی مناطق انتشار الحشد الشعبی العراقی الذی قد یستهدف مقارها فی أی لحظة.
إن الوضع الراهن هو أکثر خطورة على القوات الأمیرکیة من وجودها وانتشارها فی العراق عام 2011 حیث کانت تمتلک قدرات عسکریة أکبر، وقواعد أمامیة للدفاع عنها، أما الیوم فالوضع لیس کذلک، فهناک خطر الصدام مع الأتراک، وخطر القوات المدعومة من إیران، وقرار البقاء الأمیرکی ببساطة قد یقلب الموازین المیدانیة لکن بکلفة ضحایا کبیرة بما فی ذلک قوات العملیات الخاصة صعبة الاستبدال، التی تشکل قیمة أمیرکیة إستراتیجیة.
4-إن اقتراح إنشاء محمیة لمجلس التعاون الخلیجی یبدو قصیر الأمد، إلا إذا قامت الولایات المتحدة بما هو لیس متوقعاً، واختارت تعزیز مواقعها هناک، وغیر ذلک فإن دول الخلیج (الفارسی) لا تتطلع إلا إلى فرصة مختصرة، وحین بدء الانسحاب الأمیرکی ستخفض حمایة انتشار جنودها إلى حد کبیر، إضافة إلى أن وجود القوات المدعومة من إیران التی تساعد (الرئیس بشار الأسد)، سیقلص إمکانیة الانخراط الخلیجی.
ضمن إطار هذه الرؤیة التی وضعها الخبراء الأمیرکان لإدارة ترامب کانت الخلاصة واضحة: (على الإدارة الاختیار بین الانسحاب من مکان لا یمکن الدفاع عنه، وبین تعزیز ذلک المکان کی یصبح ممکناً الدفاع عنه، وغیر ذلک تکون القوات الأمیرکیة المنتشرة فی خطر الوقوع رهائن بید العدو فی أفضل الأحوال، أما فی أسوئها فهی فی خطر أن یتم تدمیرها).
النقاط السابقة توضح بجلاء الدوافع الحقیقیة وراء الانسحاب الأمیرکی من سوریة فهو لیس مفاجئاً، إنما مخطط له بشکل مسبق، وتم اختبار الخطط البدیلة التی یبدو أنها لن تنجح باستثناء ورقة واحدة ترید واشنطن بیعها لـترکیا، إذ یشیر التقریر الأمیرکی إلى أن قرار ترامب (یرتبط جزئیاً بمحاولة إعادة تقویة التحالف بین الولایات المتحدة وترکیا، بما فی ذلک الإعلان عن صفقة أسلحة کبرى لترکیا بهدف إعادتها لدورها السابق کطرف قوی فی حلف شمال الأطلسی «الناتو» وإخراجها من الفلک الروسی الإیرانی، وقد یتضمن ذلک قیام ترکیا بتوفیر المساعدة الأمنیة فی شمالی سوریة وإعادة فتح الحدود للتجارة مع المناطق الغنیة بالموارد فی تلک الجهة).
ترى الدراسة الأمیرکیة أن انسحاب القوات الأمیرکیة یخلق تحدیات، ولکنه یخلق الفرص أیضاً، لکن الأهم عدم السماح لإیران باستغلال ذلک، وجعل استمرار بقائها فی سوریة مکلفاً جداً بکل الوسائل المتاحة، مع العمل على حصول «حلفائنا الأکراد» على بعض الحکم الذاتی والحریة فی جمیع الدول التی یعیشون فیها حالیاً، وعلینا القیام بکل ما فی وسعنا لتقریب ترکیا من حلفائها الحقیقیین!
لقد تقصدت أن أنشر تفاصیل هذه الدراسة لإطلاع الرأی العام السوری على الخلفیات الحقیقیة للانسحاب الأمیرکی من سوریة التی یمکن إجمالها بأنها حصیلة صمود الشعب السوری، وجیشه البطل، ودعم الحلفاء، ولیست ناجمة عن الإلهام الذی هبط على الرئیس ترامب، وأرکان إدارته، فلولا التقدم المیدانی الکبیر، وتحولاته لما اتخذ ترامب قراره هذا، ولوجدنا عتاة البنتاغون مستمرین فی مواقفهم، وأمیرکا أصبحت بین خیارین بعد سقوط أدواتها الإرهابیة الفاشیة، إما مزید من الانخراط العسکری الأمیرکی لحمایة ما تبقى من قوات، وإما الانسحاب، وإعلان الهزیمة العسکریة، وهو ما حصل، ویبقى الأمر الآن بید ترکیا التی علیها أن تختار بین انخراطها العسکری للقضاء على ما تسمیه «منظمات إرهابیة کردیة» وهو ما قد یعنی استنزافاً لجیشها وقواتها، وأعباء اقتصادیة کبیرة، وبین التنسیق مع دمشق کما نصح بذلک وزیر الخارجیة الإیرانی محمد جواد ظریف، أما أصحاب الأوهام من ما یسمى «إدارة ذاتیة» فعلیهم إما الذهاب إلى الدولة السوریة، والقبول بالخیارات الوطنیة السوریة من دون الرهان على أی أحد، وإما تکرار تجربة عفرین التی تبین فیها أنهم مجرد مراهقین سیاسیین لیسوا أهلاً لقیادة بلدیة.
النقطة الأخیرة والمهمة: أن واشنطن بانسحابها لن توقف جهودها المبذولة لتحقیق أهداف أمیرکیة أخرى فی سوریة أبداً، إنما ستستمر باستخدام أشکال أخرى من القوة الأمیرکیة، وبمساعدة الحلفاء! «حسب الدراسة الأمیرکیة»، وهو ما یشیر إلى أن الهزیمة العسکریة لمخططات واشنطن لا تعنی توقفها عن استهداف سوریة، إنما سیتم الانتقال إلى مرحلة القوة الناعمة، وهو ما یجب الانتباه له فی المرحلة القادمة، فالحدیث حسب وسائل إعلام مختلفة أن وکالة التنمیة الأمیرکیة (یو اس إید- USAID )تبحث عن مؤسسات بحثیة لدراسة الواقع الاقتصادی والاجتماعی والسیاسی فی سوریة، والتحضیر لانتخابات الرئاسة عام 2021، والهدف ما یسمونه البیئة الحاضنة للدولة هذه المرة، ولذلک علینا الارتقاء بالأداء الخدمی والاجتماعی والاقتصادی والسیاسی، وعدم المجاملة فی أی إهمال، أو تقاعس من مسؤول أو مؤسسة حکومیة لأننا تحت المجهر، وأی تقصیر مقصود أو بدافع مصالح ضیقة یجب أن یحاسب بکل قسوة، وبلا مهادنة، فمستقبلنا فی أیدینا، وأعداؤنا سیستمرون باستهدافنا، ومن العار علینا أن نسمح لهم بعد هذه التضحیات الهائلة أن یلعبوا بأی أوراق داخلیة لاستهدافنا.
د. بسام أبو عبد الله

 


Page Generated in 0.0251 sec