printlogo


رقم الخبر: 135393تاریخ: 1397/10/9 00:00
افتتاحیة الیوم
ما هِی الأهداف الحَقیقیّة لحُزْمَة التَّغییرات التی أعْلَنَ العاهِل السعودیّ إجراءَها وشَمِلَت الجَانِبَین السِّیاسیّ والأمنیّ؟

أجْرَى العاهِل السعودیّ الملک سلمان بن عبد العزیز تغییراتً أمنیّةً ووزاریّةً کانَت لافتَةً نَوعیًّا وزَمنیًّا، أثارَت العَدید مِن علامات الاستِفهام حول الهَدف الحَقیقیّ مِنها، والخُطوات المُقبِلة التی یُمکِن أنْ تتلوها، على العَرش ووِلایَة العَهد.
ظاهِریًّا کانَ التَّغییر الأبْرَز هو إقالَة السید عادل الجبیر مِن وِزارَة الخارجیّة، وتعیین إبراهیم العساف، وزیر المالیّة السابق، والمُعتَقل السابق بتُهمَة الفساد فی فندق (الریتز کارلتون) مَکانه، وکذلک إعفاء ترکی آل الشیخ الشخصیّة المُثیرة للجَدل مِن مَنصِبه کرئیسِ الهیئة العامّة للریاضة ونَقْلِه إلى الهیئةِ العامّةِ للتَّرفیه، ولکنّ التَّغییرات الأهَم فی رأیِنا کانَت فی المَناصِب الأمنیّة، ونُشیر بشَکْلٍ خاصٍّ إلى تَعیینِ الأمیر عبد الله بن بندر بن عبد العزیز وَزیرا للحَرس الوطنیّ، الجیش السعودی المُوازی، والسید مساعد بن محمد العبیان مُستَشارا للأمْن الوطنیّ، وخالد بن قرار الحربی مُدیرا للأمنِ الوطنیّ، وإعفاء الامیر محمد بن نواف بن عبد العزیز مِن مَنصِبِه کسَفیرٍ للمملکة فی لندن وتَعیینِه مُستشارا فی الدیوان الملکیّ، وربّما جاءَ إبعادُ الأمیر محمد بن نواف من سفارة لندن یعود إلى قُربِه من الأمیر أحمد بن عبد العزیز الذی رفض مُبایعَة الأمیر محمد بن سلمان وَلیًّا للعَهد، وبات مُرشَّح بعض الأعْضَاء فی الأُسرةِ الحاکِمَة کبَدیلٍ لولیّ العهد باعتبارِه ثانِی أصغَر أبناء المَلک المُؤسِّس، ویَمْلُک خِبرةً طَویلةً فی الحُکم، ومِن الجَناح السدیری القَویّ، وکانَ السفیر بصُحبَة الأمیر أحمد عندما طالب مُتظاهِرین یمنیین بعَدم تحمیل الأُسرة الحاکِمَة مَسؤولیّة الحَرب، وإنّما المَلک وولیّ عَهدِه.
کانَ لافِتا أنّ الأمیر بن سلمان احتَفَظ بجَمیع مَناصِبه فی الدولة، کوَلیٍّ للعَهد، وزیر الدفاع، نائب رئیس الوزراء، رئیس مجلس الشؤون الأمنیّة والسیاسیّة، رئیس مجلس الشؤون الاقتصادیّة، أی جمیع المَناصِب فی الدولة، سواء کانَت هامَّةً أو ثانویّةً، سیاسیّةً أو اقتصادیّةً، عَسکریّةً أو أمنیّةً، دِینیّةً أو عَلمانیّةً.
هُناک عِدَّة أهداف یَرغَبُ العاهِل السعودیّ مِن تَحقیقِها مِن هَذهِ التَّغییرات التی جاءَت بعد إعادَة هیکلیّة جهاز الاستخبارات، وإعلان میزانیّة سنویّة هِی الأضْخَم فی تاریخ المملکة (تریلیون ریال) تتَضَمَّن عَجْزا مِقدارُه 35 مِلیار دولار:
الأوّل: مُحاوَلة تغییر، أو تصحیح، صورة المملکة وهیبة الحُکم فیها، وهی الصُّورة التی تَضَرَّرت من عملیّة اغتیال الصحافی جمال خاشقجی، وتقطیع جثمانه، وکشفت عن سَذاجة وانعِدام خبرة فی التَّطبیق، وغِیاب کامل للمِهنیّة فی إدارَة الأزَمَة سِیاسیًّا وإعلامیًّا.
 الثّانی: الإیحاء بإبعاد عناصِر مُهِمَّة فی الدائرة المُقرَّبة مِن الأمیر ابن سلمان مِن مناصِبهم، مِثل عادل الجبیر الذی اختارَه الأمیر ابن سلمان کوزیرٍ للخارجیّة (عام 2015)، أو ترکی آل الشیخ رئیس الهیئة العامّة للریاضة الذی تسبَّبت سِیاساته ومَواقِفه، خاصَّةً تُجاه بعض الأندِیَة المِصریّة (الأهلی) أو مُجاهَرته بعَدم التَّصویت للمغرب فی مِلَف تنظیم کأس العالم 2026 بتَفجیر أزمات مع الدَّولتین على الصَّعیدین الرسمیّ والشعبیّ، ونقول الإیحاء لأنّ ما حَدَث هو (تَدویرٌ) لمَناصِب هؤلاء، أی بقاءَهم فی الواجِهة مِن خِلال تَولِّی مناصِبَ أُخرَى.
 الثَّالث: تَبَنِّی سیاسة خارجیّة جدیدة تقوم على تَهدِئَة الأزَمات، والتَّقارُب مع سوریة ومِحوَرِها، والتَّعاطِی بشَکلٍ مُتوازنٍ مع أطراف الطَّیف السیاسیّ والطائفیّ اللبنانیّ، وتحسین العُلاقات مع الأُردن والعِراق، والتَّمهید للانسِحاب التدریجیّ مِن الأزَمةِ الیمنیّة، ورُبّما تَشکیلُ مَحاور جَدیدة ضِد قطر وترکیا، وفتح قنوات حِوار مع العِراق وإیران، واختیار السید العساف الرجل المُخَضْرم الذی یَتَّسِم بالرَّصانةِ والخِبرة، وعَمِل مع ثلاثة مُلوک وزیرا للخارجیّة مُکَلَّفًا بهَذهِ المُهِمَّة:
هُناک قِراءتان، أو بالأحرى تَکَهُّنان، للخُطوة التی یُمْکِن أن تتلو هَذهِ التَّغییرات فی الأَشهُر الأُولى مِن العامِ الجَدید:
الأُولى: تقول بأنّها ربّما جاءَت تَمْهیدًا لتَغییرِ ولیّ العهد السعودیّ الأمیر محمد بن سلمان، واختِیار ولیّ عَهدٍ جَدیدٍ، لتَخفیفِ الصِّدام مَع المُؤسَّسة الأمریکیّة الحاکِمَة، وخاصَّةً مجلس الشیوخ الأمریکیّ، بعد قرارِه الأخیر الذی صَدَر بإدانته وتَحمیلِه مَسؤولیّة اغتیال الخاشقجی بالإجْماع، ووَقفِ کُل الدَّعم للسعودیّة فی حَربِ الیمن.     الثَّانی: أن یکون الأمیر محمد بن سلمان الذی مِن المُؤکَّد وقوفه خَلف مُعظَم هَذهِ التَّغییرات، إن لم یَکُن کلها، باعتِباره الحاکِم الفِعلیّ، یُمَهِّد لإعفاء والِدِه مِن الحُکم بحُجَّة المَرض، وجُلوسِه على العَرش، ووضع الأُسرةِ الحاکِمَة، وبعض مُنْتَقِدیه فی الدَّاخِل والخارِج أمام الأمْر الواقِع.
یَصْعُب علینا تَرجیح أیٍّ مِن هَذین الخَیارین، وإنْ کُنّا لا نَستبعِد الخِیار الثانی، أی تَولِّی الأمیر ابن سلمان العرش، لأنّ التقاریر الطبیّة التی یَجرِی تسریبها عَن صِحَّة الملک سلمان تُؤکِّد أنّ حالته المرضیّة تَزداد سُوءا، مُضافًا إلى ذلِک أنّ ولیّ عهده مُتَمسِّک بمَنصِبه ویُهَدِّد بالمُقاوَمة حتّى المَوت لأیِّ مُحاوَلةٍ لإقصائِه مِنه، أو تقلیص أیٍّ مِن صلاحیّاتِه، وغِیاب أیّ تَهدید داخِلیّ حَقیقیّ له حتّى الآن على الأقَل. التَّغییرات السیاسیّة شَکلیّة ولیسَت على دَرجةٍ کَبیرةٍ مِن الأهمیّة، لکن الأمنیّة مِنها، خاصَّةً تغییر رئیس الحرس الوطنیّ، الجیش المُوازی، الذی قَد یُشَکِّل التَّهدید الأخْطَر علیه لأنّه رُبَّما یُمَثِّل نَظَرِیًّا الذِّراع الضَّارِب للمُعارَضة، ولجِناح العاهِل السعودیّ الراحل الملک عبد الله وأبنائِه وحُلفائهم، والشَّیء نفسه یُقال أیضًا عن تَعیین مُستشارٍ جَدیدٍ للأمن الوطنیّ، وإعادة هیکلیّة جِهاز الاستِخبارات العامّة مِن قبل لجنة بقِیادَة ولیّ العهد، هِی التَّغییرات الأهَم التی تَعکِس إحکام قبْضَة الأمیر ابن سلمان علَیها، وسَد کُل الثَّغَرات التی یُمکِن أن تُشَکِّل مَصْدَرَ الخَطر على حُکمِه، أو طُموحاتِه بالحُکم على الأصَح. نَتَوقَّع مُفاجَآت قادِمَة مِن السعودیّة التی لم تَعُد (مملکة الصَّمت) مِثْلَما کانَ یُطْلَق علیها فی الماضِی، فوَلیّ العهد شخص (مُغامِر) ولا یتَردَّد فی اتِّخاذ القَرارات التی تتَّسِم بالخُطورة والتَّهَوُّر حسبَ آراءِ الکَثیر مِن مُنْتَقِدیه.. واللُه أعْلَم.
 


Page Generated in 0.0288 sec