printlogo


رقم الخبر: 135388تاریخ: 1397/10/9 00:00
فکرة قائمة على التوجه الروحی تجاه الوجود الالهی
حوار الفن بین المسیحیة والاسلام.. مقاربة الافکار بما یتوحد مع الآخر

أن الاختلاف على مستوى التفرعات الدینیة بین المسیحیة والاسلام لم یوقف الفن الاسلامی او المسیحی عن التحاور الرمزی والشکلی فیما بینهما.. ففی الوقت الذی کانت فیه اللغة المشترکة هی نقطة الارتکاز فی الحوار بین الحضارات، فإن الاشکال والرموز والدلالات المضمونیة، هی محور التفاعل على مستوى الفن.. ولعل سوء التبادل اللغوی کان مسوغاً لبعض الملامح ، الا ان ذلک فی مجال الفن یمثل الحوار على مستوى الشکل والمضمون ایضاً.
انطوت الثقافات المتأثرة بالدیانات سواء أکانت موحـِّدة او غیر ذلک، على ضرب من التأثر والتفاعل بحکم طرق الاتصال المختلفة کالمجاورة الجغرافیة او الفتوحات والغزوات او التجارة وغیرها.. وبذلک حصل تداخل فی الترمیز الجمالی والفکری بشکل عام، وهذا الحال قد انعکس بشکل جلی على التعایش بین المسیحیة والاسلام والذی اعطى نتاجات حواریة قائمة على فکرة التأثر والتأثیر وأن جاء عن طریق الصراع، بل یمکن القول إن الصراع ینتج أشکالاً حواریة فی الفن على مستوى التنظیم القیمی للزمان والمکان والدلالة الصوریة، واللوحة اعلاه خیر مثال على تلک الاشکال الحواریة القائمة بین المسیحة والاسلام .
یظهر المشهد التصویری فی التکوین بمستویین أفقیین، یمثل الأول البناء المعماری لکنیسة ذات طابع بنائی مقوّس ومحاطة بأبنیة عالیة ومنائر إسلامیة توحی بأن المکان إسلامی، والمستوى الثانی الى أسفل اللوحة یمثل حشوداً من الناس عبارة عن مجامیع من الافراد المسلمین على یمین اللوحة بلباسهم الاسلامی وعمائمهم البیضاء، وهم ینظرون الى القدیس وهو یعتلی دکة فیها درجات من الجانب، وخلفه أناس یرتدون جبب، فیما تعلو رؤوسهم أغطیة سوداء وتجلس أمام القدیس، نساء مسیحیات یرتدین الوشاح الابیض المغطى للوجوه . لو دققنا فی معطیات اللوحة لوجدنا ان العملیة  الحواریة فی هذا العمل قائمة على محورین.. اولهما التحاور مع المکان الاسلامی الجامع بین المسجد والکنیسة حیث المأذنة والجوامع والقباب الاسلامیة، وحیث الکنیسة المسیحیة القائمة على تأسیس السلطة الدینیة فی الاسکندریة.. اما المحور الثانی فهو متجسد فی فکرة الوعظ التی هی محور الائتلاف بین الدینین بشکلها العام کونها قائمة على التوجه الروحی تجاه الوجود الالهی.
إذ أن فکرة الوعظ عند المسیح قائمة على تمجید الله وعدم الخروج عن تعالیمه وهذا ما لا یتناقض مع الفکر الاسلامی، مما أعطى لهذه الفکرة شمولیة الجمع ولا محدودیة المکان.. والمتمثلة فنیاً بالمنظور القائم على تصعید الاحساس بالحیویة وتوثیق العلاقة بالمکان عن طریق الجمع بین الطبیعة والانسان بوحدة من الانسجام والحرکة، لهذا کان الواقع یوصف بالشفافیة الروحیة من خلال الجمع بین الجوهر الالهی المتمثل بالقیمة التعبیریة لفکرة الوعظ والوجود الانسانی - أی بمعنى آخر بین التجرید والواقع - فإن تمثل الفکرة الدینیة هنا یعتمد على تصویر الواقع الدینی من حیث الوجود المکانی وهذا ما یشیر الى التحاور مع المکان الاسلامی.
ان شمولیة الفکرة المجردة المقبولة من الآخر لاریب انها تجمع المفترقات فی مکان واحد، حیث لا مساس بقیم الآخر بل مقاربة الافکار بما یتوحد مع الاخر.. اذ لیس للوجود الشکلی فی هذا العمل أی مردود للتحاور المضمونی من قبل المسیحیة تجاه الاسلام، بل ربما العکس من خلال سیادة الفکرة والقائها بشمولیة الا أن طبیعة نقل الشکل الاسلامی بقی ذا خصوصیة فی اللوحة الدینیة لعصر النهضة الاوروبی وهذا نابع من طبیعة الوجود الشرقی للمسیحیة والذی یظهر هنا من خلال البناء المعماری الاسلامی والشخصیات الاسلامیة، التی تفترض صیاغتها الفنیة وجودها الضروری کون الکنیسة تعیش فی بیئة إسلامیة.. فتصبح بذلک بنیة الشکل متحاورة بالضرورة مع الواقعیة الاسلامیة.
أما المضمون فیبقى مستتراً رغم إظهار المبدأ الموحدّ بین العقیدتین وهو فکرة الوعظ.. وذلک التضمین یظهر من خلال طبیعة الأداء الفعلی للعلاقة بین المتغیرات الموجودة فی اللوحة، فعلى مستوى الشکل یکون الحوار مفروغاً منه أما من حیث المضمون فأنه تابع لطبیعة العلاقة القائمة بین المسیحیة والاسلام فی الزمان والمکان المعینین.. فربما یتعارض الشکل مع المضمون فی حین یکون المضمون متحرکاً ضمن البنى الفکریة القابلة للتأویل وإنتاج فعل جدلی ذی دلالة ربما تکون متحاورة أو متصارعة.
سامر قحطان القیسی


 


Page Generated in 0.0052 sec