printlogo


رقم الخبر: 135278تاریخ: 1397/10/6 00:00
أعظم وسائل التماسک الحیوی والنمو الحضاری
التجرید فی الخزف.. مفهوم ینسجم مع بنیة الإسلام



تحمل الفنون الاسلامیة فی طیاتها صفة الفن المجرد، والذی یقوم على قوانین خاصة تعبر عن شخصیة ثابتة ولغة تشکیلیة واحدة.. فقد جاء الفن الاسلامی بمفهوم ینسجم مع بنیة الإسلام وتطورات العصور ومناخاتها الفکریة وفلسفاتها الروحیة، ویتجلى کل ذلک فی وحدة اللغة ووحدة العقیدة وهما أعظم وسائل التماسک الحیوی والنمو الحضاری عند المجتمعات.
لقد برهن الفن الاسلامی بکل جلاء على قدرته على التجدد والانبعاث، فلو نظرنا إلى مفهوم التجرید فی الفن الإسلامی لوجدناه یمثل السمة العامة لهذا الفن ولیس احد مذاهبه أو فروعه، وهو ینبع من التصور الإسلامی للوجود.. الذی یکون محکوماً بمطلق قیمی أوجده الله جل وعلا مبدع هذا الکون اللامتناهی، والذی بیده صیرورته والمنزه عن التخیل أو التمثیل.
 وعلى ذلک فالمرجعیة والاطار القیمی فی التصور الإسلامی متجاوز لهذه الطبیعة المدرکة بالحواس، لأنها قائمة على مفهوم الوحی من الله إلى الرسول محمد صلى الله علیه وآله وسلم، وبذلک تکون الثوابت مفارقة لعالم المادة لأنها غیبیة، وقد درجت العادة فی تفسیر طغیان الفن التزیینی المرتکز على اشکال تجریدیة فی الفنون الإسلامیة، على انه نتیجة تحریم القرآن الکریم للرسوم التی یمثل فیها الشکل البشری فضلا عن المجسمات، بحیث ان الاسلام قد فرض بالنتیجة ان یقتصر الامر فیه على الرسوم الهندسیة التجریدیة، إلا ان الحقیقة عکس ذلک، فالإسلام امتلک رؤیة فلسفیة خاصة تبرر استخدامه للأشکال التجریدیة، فالروحیة الاسلامیة تجنب التقرب من الفن التجسیمی خوف الوقوع فی المحظورات والشبهات، فوجدت لها الضمانات الافضل فی استخدام الفن التجریدی.
لم یجد منهج المحاکاة المباشرة للأشکال والاشیاء تربة خصبة فی الحضارة الاسلامیة التی حددت اطار عاما لتداول الصورة، لذا ابتعد الفنانون المسلمون عن محاکاة الواقع لاسیما محاکاة الاحیاء متأثرین بالعقیدة الإسلامیة وطبیعة حیاتهم الاجتماعیة قبل الإسلام، وتمثل ذلک فی لجوئهم إلى تحویر وتجرید الاشیاء التی ادرکوها، أو تکیفها بحیث تبتعد عن أصلها فی الطبیعة، وکان نتیجة ذلک استعمالهم الزخارف النباتیة الهندسیة والخطیة التی عبرت عن معتقداتهم وافکارهم وتصوفهم وتأملهم العمیق فی الطبیعة، إذ اصبح لکل شکل زخرفی لدیهم معنى عمیق، والمسلم ومنذ بدایة الدعوة الاسلامیة ارتبط بهذه النظرة الشاملة التی یعوقها الترکیز على النظرة الجزئیة العارضة، وانعکس هذا فی الفن الإسلامی کـتجرید الطبیعة من اشکالها الحقیقیة واخترع بالریاضة الذهنیة القوانین الهندسیة التی تعد أرضیة لفهم التجریدات الهندسیة الإسلامیة، لذا صار الفن الإسلامی من اکثر الفنون وأکبرها تجریدیة لأسباب آیدلوجیة فکریة خاصة، مرتبطة بشکل مباشر بالشریعة والعقیدة ، فالفن الذی لا یحاکی الصورة الواقعیة ویبتعد عن التشخیص سوف یکون فی المقابل فنا یحاکی ویخاطب المطلق.
یظهر التجرید الاسلامی جلیاً فی اغلب الطرز المعماریة وعمارة المساجد والخط العربی المنتشر بین الوحدات الزخرفیة المرسومة على الجدران او المنقوشة على الخزفیات.. وللتعبیر عن رؤیة هؤلاء الفنانین للعالم والانسان، لجأوا إلى استخدام صیغ هندسیة تجریدیة ذات قیم زخرفیة لتشکیل عناصر مستقلة بذاتها، ومبادئ اصطلاحیة تنظم العلاقة بین الاشیاء وتعید صیاغتها من جدید داخل المساحة التشکیلیة، انطلاقا من مفاهیم جمالیة خاصة لم یکن همها تمثیل العالم المرئی أو محاکاته، بل تفسیره والتعبیر عنه بأشکال مجردة.
لو دققنا النظر فی الأشکال الزخرفیة التجریدیة المنفذة على الخزف بأنواعه المختلفة، لوجدنا انها تمثل التعبیر الاکثر ملائمة لفکرة وحدانیة الله الکامنة خلف تنوع العالم اللامحدود، فالمساحات المزخرفة فی الخزف الإسلامی تتحول إلى صفحات یتآلف فیها النور الالهی الذی یخرج الاشیاء من ظلمة العدم، فالله نور السماوات والارض ولیس من دلالة على وحدانیة الله عز وجل اکثر اکتمالا من النور، وهنا تتحول المادة إلى مجموعة من ارتدادات ضوئیة تنشرها فی الفضاء التشکیلی الخزفی عناصر التألیف التجریدیة الهندسیة على اختلاف اشکالها.
مَیَزَ الفنان المسلم بین فعل الید والعقل من حیث انهما مفتاح للصنائع البشریة، وایضاً بین دور النفس التی هی جوهر الهی مدبر لأفعال الانسان وانشطته.. اذ ان الصور المجردة لفن الخزف والتجرید الهندسی الخالص، ما هی الا نوع من الصور الفنیة الیدویة، والید البشریة من شأنها تحویل قوة النفس الى فعل، حیث تقوم بتحریک وتحویل المادة الخام لأشیاء الصورة المجردة، ای خطوطها واشکالها والوانها، على السطح التصویری.. اما العقل فمن شأنه تنسیق الاجزاء والهیئات التصویریة بالمقادیر والالوان، ویتم ذلک بعد تخلیص الاشکال من آثار الطبیعة المادیة سواء کانت هذه الاشکال ذات اصول طبیعیة ای فن الخزف ام من معطیات العقل کالتجریدات الهندسیة الخالصة وصور الخط العربی.
وبذلک فالفنان التجریدی المسلم، حینما یشکل صورة من خلال المادة الخام للأشیاء المجردة، بواسطة یده وعقله، انما یجعل هذه الصور تتناسب ورغبة النفس بحسب استعدادها لقبول الصور حیث ان النفوس اذا کانت طاهرة فإنها تدرک صور الأشیاء الروحانیة التی فی عالمها، وتشاهد الأمور الغائبة عن حواسها بعقلها وصفاء جوهرها، وبذلک تکون قادرة للوصول الى الله تعالى.

 


Page Generated in 0.0056 sec