printlogo


رقم الخبر: 133809تاریخ: 1397/9/18 00:00
وصول الفلسفة إلى طریق مسدود لیس إلا افتراضاً خاطئاً
هل العلم والدیمقراطیة أسدلا الستار على مهنة الفیلسوف؟


احتدمَ الجدل فی بدایات القرن العشرین حول دور الفلسفة فی العالم المُعاصر الذی صار عنوانه العریض التطور العلمی وما حققته البشریة من اختراقات کبیرة فی مُختلف المجالات، وهذا ما وضع مصیر الفلسفة على المحک، حیثُ ذهبَ البعضُ إلى إعلان موت الفلسفة کون العلم بدیلاً لهذه الحرفة الفکریة. إضافة الى أنَّ التخصص أصبحَ سمةً لِمُقتضیات الحیاة الحدیثة.
دور الفلسفة فی مواجهة أزمات الواقع
وفی هذا السیاق یقولُ جون دیوی: «کنتُ أسعى إلى أن أطیل عمر الفلسفة، لکن کلمتین أصبحتا قریبتین من الناس - الدیمقراطیة والعلم - أسدلتا الستار على مهنة الفیلسوف». وکان الکاتب العراقی علی حسین قد أورد فی کتابه «دعونا نتفلسف» ردَّ بتراند راسل على زعیم البراغماتیة الذی یعتقدُ بأنَّ مُعظم المعارف العلمیة والتربویة والسیاسیة تبحثُ عن مسوغاتها فی الفلسفة فبالتالی إنَّ الحدیث عن وصول الفلسفة إلى درب مسدود لیس إلا افتراضاً خاطئاً. وما یؤکدُ صحة رأی بتراند راسل هو توالی الإصدارات الفلسفیة التی تُناقشُ أطروحات الفلاسفة فی شأن مفاهیم حیاتیة راهنة. وهنا، یأتی السؤالُ عن السعادة والقلق على المکانة والخوف من المُستقبل والحب فی صدارة ما یهتمُ به المُتابعون الحقل الفلسفی. واللافت أن ما ألفه کلّ من آلان بادیو ولوک فیری وآلان دوبوتون یتطرق إلى اهتمامات الإنسان ومظاهر الحیاة المُعقدة من منطلق أطروحات فلسفیة.
 یلاحظُ المتابعُ لما أنجزه الکاتب السویسری آلان دوبوتون أنَّ ما یُقدمه الأخیر هو بمثابة عیادة فلسفیة، إذ یستخلصُ من آراء الفلاسفة وسیرهم وصفةً للتهدئة من حدة انفعالات المرء وما یؤرقه نتیجة ازدیاد العوامل التی تغذی الشعور بالقلق فی عالمٍ «تحول إلى سوق کبیر» على حدِ قول ریجیس دوبریه. وما یحددُ اختیاراتنا هو الدعایات التی حجبت وظیفة الحواس والتفکیر. ففی ظل هذا الواقع الذی یفرض حاجات جدیدة یوماً تلو یوم، ناهیک بخطر عودة التیارات العُنصریة تحت لافتة الحفاظ على الخصوصیة، قد تکون الفلسفة عزاءً وحیداً، بل هی ضرورة لا مَحید عنها.
تفنید انعدام الصلة بین الفلسفة والحیاة
وإدراکاً منه لهذه الحقیقة یحتذی الباحثُ المغربی سعید ناشید بهؤلاء الأسماء المشار إلیهم أعلاه، إذ یُفنِّدُ ما راج وسط العامة عن انعدام الصلة بین الفلسفة والحیاة الواقعیة من خلال ما یضمهُ مؤلفه الجدید «تداوی بالفلسفة» (دار التنویر). ومن الواضحِ أن صاحب «دلیل التدین العاقل» استلهم عنوان کتابه مما قاله نیتشه عن الفیلسوف بأنَّه طبیب الحضارة.
قدیماً، قد حددَ أبیقور أیضاً وظیفة الفلسفة بتخلص الإنسان من معاناة العقل، وعندما تقفدُ هذا الدور لن تکون ذات نفع تماماً مثل الطب الذی لا یجدی نفعاً من دون التخفیف من ألم العلة الجسدیة. کذلک، یرى سعید ناشید أنَّ أهمیة دراسة الفلسفة تکمنُ فی تعزیز الإرادة لمواجهة أشد ظروف الحیاة قسوة وضراوةً، وإذا غاب هذا الهدف لن تکون مُتابعتک الفلسفة سوى مضیعة للوقتِ.
وفی هذا الإطار، یؤکدُ الکاتبُ أنَّ معظم دارسی الفلسفة یعیشون وهمَ امتلاک المعرفة ویطلقُ علیهم ضحایا ثقافة النصوص، ما یعنی عدم إدراکهم وظیفة الفلسفة على مستوى الحیاة الواقعیة. ولا یرید سعید ناشید إلغاء تجارب المتصوفة والحکماء والشعراء والروائیین وإضافاتهم للتراث الإنسانی وما یتضمنه وعاء نصوصهم من الأفکار السامیة وهی تُعبّرُ عن وحدة الهموم والتطلعات الإنسانیة. ولکن قد لا تعوضُ کل هذه المُمارسات مهمة الفلسفة فی إرشادنا الى إعمال الفکرِ وتعمیق فهمنا لمحددات السلوک البشری. أکثر من ذلک فإنَّ اکتساب القدرة على التفکیر النقدی یفتحُ لک الباب لرؤیة الأشیاء بصورتها الحقیقیة ویمکنک نزع السحر عن الأشیاء وهذا ما یدعمُ جهاز المناعة الذاتیة بحیثُ تحول دون الوقوع فی مطب خیبات الأمل المتتالیة سواء تعلق الأمر بالتاریخ أو الحب أو الثروة أو السعادة أو الألم کما یشرح المؤلفُ فی مقدمة کتابه.
الفلسفة أداة لِمواجهة صعوبات الحیاة
یقومُ أسلوبُ المُؤلفِ على طرح الأسئلة والبحث عن الأجوبة المُقنعة من خلال ما هو متداول فی أروقة الفلاسفة، والإمساک بالخیط الذی یربطُ الفلسفةِ بتفاصیل الحیاة الیومیة. طبعاً، السؤالُ عن إمکان تحویل الفلسفة إلى أداةٍ لِمواجهة صعوبات الحیاة هو محور الکتاب والجواب عنه تُشکلُ هدفاً أساسیاً لمؤلفه، مؤکداً أنّ تبدل طریقة التفکیر وامتلاک القدرة على التفکیر الإیجابی یمکنهما تحسین نوعیة الحیاة.
ویمکن أیضاً استیعاب الظروف وفک تعقیدات الواقع من دون انسیاق وراء ردود الفعل السلبیة، وبذلک یقول سعید ناشید أنَّ الحیاة فن یحتاج إلى التعلم.
وفی هذا الإطار، یتوقفُ الکاتبُ عند تجربة المرض لدى نیتشه من المعلوم أنَّ صاحب «هکذا تکلم زرادشت» عانى من مشکلات صحیة وتوصل عبر مُعاناتهِ إلى قناعةٍ بأن ضراوة المرض قد تجعلُ الإنسانَ أکثر إقبالاً على الحیاة. ویضیفُ ما أنجزهُ إیمانویل لیفیناس أثناء اعتقاله فی السجون النازیة من مصنفات فلسفیة إلى حلقة النماذج التی تکشف عن مفاعیل الفکر فی تحویل واقع قاسٍ إلى مجال لتطویر الذات. کما یذکر من الیونان شخصیة إبکتیتوس الذی کان عبداً وفیلسوفاً قد مرَّ بظروف مؤلمة، بحیث وضع سیده ساقه فی آلة التدویر، مترقباً رد فعله لکنه ظلّ یرددُ بالهدوء «إنک ستکسرها» إلى أن ملَّ مُعذِبه وأطلق سراحه. یفسرُ سعید ناشید بناءً على فلسفة دیوجین وسینیکا وإبکتیتوس بأن معظم مشاکل الإنسان ناجمةُ عن سوء تفکیره وافتقاره إلى المرونة فی التعامل مع نتائج الأمور التی قد تأتی بعکس توقعاته المسبقة. لذا، من الأفضل بالنسبة إلى الإنسان بدلاً من محاولة التحکم بالخارج أن یتحکمَ فی عالمه الداخلی. وهذا ما یتقاطع ومقولة بوثیوس «من یرد أن یکون ذا سلطانٍ حقیقی فلیبسط سلطانه على نفسه».
عامل آخر وراء شعورنا بالقلق هو التفکیر فی ما وقع فی الماضی أو ما سیأتی فی المستقبل. وهنا، یستشهد برأی الفیلسوف الفرنسی آلان بادیو، الذی ینفی وجود الماضی والمستقبل إلا فی التفکیر. وفی رأیه، فإن الحاضر هو اللحظة الحقیقیة. یبدو أنَّ بادیو یوافق الشاعر عمر الخیام الذی یعلنُ أنه لا یعنیه «یوم مرَّ ومضى ویوم لم یأتِ بعد».
وبدوره یؤکدُ سعید ناشید أن الوقائع تُمحى ولا تبقى سوى أفکارنا عنها وتأویلاتنا، وهذا امتداد لقاعدةٍ صاغها الرواقیون بأن الأشیاء لا تسوءُ إنما تسوء الأفکارُ حول الأشیاء وتصحُ مقاربة الملل وفقاً لذلک المبدأ. لأنَّ الملل نتیجة لرفض الإنسان بأن یکون ما هو علیه بحسب رأی ألبیر کامو. یعالجُ مفصل آخر من الکتاب علاقة الفلسفة بالجسد، وهو أمر یحتمُ الإنصات لما یقوله نیتشه، باعتبار أن عملیة التفکیر لدى فیلسوف المطرقة لا تتمُ بمعزل عن فاعلیة الجسد. ویقولُ فی هذا الصدد: «إن تفکیرک هو جسدک».
الفلاسفة: السعادة تکمنُ فی الحکمةِ والقدرة على العیشِ
تحضرُ مسألة السعادة فی المقاربات الفلسفیة، بحیثُ تنوعتْ الاتجاهات فی ما یتعلق بهذا الموضوع. یرى فریقُ من الفلاسفة أنَّ السعادة تکمنُ فی الحکمةِ والقدرة على العیشِ بأقل ما یمکنُ من التوتر. فضلاً عن ذلک، فإنَّ الابتعاد مما یسمیه سبینوزا الأهواء الحزینة أو یعتبرهُ نیتشه «غرائز الانحطاط» هو ما یزیدُ الشعور بالإیجابیة والسعادة لدى المرء.
وعلى هذا المنوال، یتناول ُسعید ناشید فی ضوء الفلسفة قضایا شائکة ویضمنُ عشر وصایا مُستقاة من نصوص فلسفیة فی مؤلفه الذی بمنزلة عیادة لتأمل ما یضجُ به ذهن الإنسان من الموت إلى السعادة والمرض والمصیر واللایقین ونفض غبار الکسل عن العقل قبل أن تغزو الأشباحُ الرأس.



 


Page Generated in 0.0053 sec