printlogo


رقم الخبر: 133800تاریخ: 1397/9/18 00:00
أمیرکا.. المنتهکة الأکبر للقوانین الدولیة



لقد استطاعت الادارة الامیرکیة وخلال فترة طویلة من الزمن، تصویر نفسها کراعیة اولى للدیمقراطیة وحقوق الانسان فی العالم، وبأنها الحامی الاول للقانون الدولی ولشرعة الامم المتحدة، وکانت دائما هذه الادارة توحی للمجتمع الدولی، من خلال دیبلوماسیتها الناشطة، أو من خلال اعلامها الاخطبوطی المتشعب والمنتشر عبر العالم، أنها تلعب دور المُحَرِّک والمُوَجّه والمُساعد للمؤسسات الدولیة نحو تطبیق قوانینها.
هذا الجو العام الذی استطاعت الادارة الأمیرکیة خلقه وتثبیته سابقاً عند أغلبیة المجتمعات، یبدو أنه الیوم قد تغیر بنسبة غیر بسیطة، والسبب فی ذلک أن هذه الادارة، أولاً لم تعد متماسکة ومتضامنة بین بعضها بالشکل الذی سبق، وثانیاً لأنها انفضحت فی الکثیر من الملفات الدولیة بعد أن ورطت نفسها فی العدید منها، وثالثاً والأهم أنها لم تعد تحظى بثقة الکثیر من حلفائها بعد أن لمسوا لمس الید تخلیها عنهم عند أی مفصل یتعلق بمصالحها الخاصة، فأین یمکن اکتشاف مدى التزام أو عدم التزام الولایات المتحدة الامیرکیة کدولة عظمى بالقوانین الدولیة؟
لناحیة المعاهدات والاتفاقات الدولیة، یزداد یوماً بعد یوم عدد المعاهدات والاتفاقات الدولیة التی تنسحب منها الادارة الامیرکیة من طرف واحد، من اتفاقیة المناخ العالمیة (معاهدة باریس للمناخ)، الى معاهدة خفض الصواریخ المتوسطة والبعیدة المدى، الى الاتفاقات الدولیة الخاصة بالتجارة العالمیة، والتی تقید الدول فی تجارتها وفی نسبة فرضها للرسوم الجمرکیة، الى معاهدات الأسلحة المحرمة، مثل معاهدة اوتاوا لحظر الالغام، الى الاتفاق النووی مع ایران، اتفاقیة الشراکة الاقتصادیة عبر المحیط الهادئ ... وغیرها الکثیر من المعاهدات والاتفاقیات الدولیة او شبه الدولیة.
هذا فی انسحاب الولایات المتحدة الامیرکیة من المعاهدات  الدولیة والتی التزمت بها اساسا، وربما هذا الموضوع معروف وظاهر ویمکن التعامل معه ومواجهته والتنبه له من قبل الدول والأطراف الأخرى، ولکن یبقى الأخطر والأکثر تأثیراً بشکل سلبی على النظام العالمی، عدم احترامها للقوانین الدولیة ولبنود ومنظومة القیود والاجراءات التی یضعها مجلس الأمن والمؤسسات الدولیة الأخرى فی ادارة هذا النظام العالمی، وهذه السیاسة أو الاستراتیجیة الأمیرکیة یمکن اکتشافها فی العدید من النقاط والملفات التالیة:  
أولاً، فی الازدواجیة التی تمارسها الادارة الامیرکیة لناحیة دعم أوعرقلة تطبیق القرارات الدولیة وقرارات مجلس الامن، المتعلقة بالکیان الصهیونی واغتصابه للحقوق العربیة، منذ بدایة نشأته فرضاً من المجتمع الدولی برعایة امیرکیة وحتى الیوم، أو المتعلقة بالغزو الامیرکی للعراق ولافغانستان بطریقة مخالفة للقانون الدولی الواضح فی ذلک، بعد اختلاق التبریرات الکاذبة التی استندت علیها، واعتبرت انها تستغنی من خلالها عن متطلبات التدخل خارج الحدود، والتی تتحدد حصراً بقرار من مجلس الامن أو بطلب من الحکومة الشرعیة فی الدولة المُتَدَخِلة بها.
ولکی تمعن هذه الادارة فی اغتصاب وتجاوز القانون الدولی، عمدت الى خلق شرعیة خاصة بها، اسمتها تحالف دولی، تحالف دولی لمحاربة الارهاب مثلا، أو مثلا تحالف دولی لدعم شرعیة معینة فی دولة أخرى، وهذا التحالف ینشأ من عدة دول (بالاسم فقط) بقرار امیرکی خالص، إما نتیجة الخوف والتهدید أو الوعید، أو بنتیجة الفرض الدیبلوماسی وتوریط تلک الدول بملفات، تُجبرها من خلال ذلک على الانصیاع لهذه الادارة ضمن توجهات ومواقف محددة ... وما الى ذلک.
ایضا، ومن ضمن الاستراتیجیة التی تتبعها الولایات المتحدة الأمیرکیة على الأرض، عند تنفیذها أهداف هذه التحالفات الدولیة التی خلقتها، نجد أنها تخالف، وفی تفاصیل وإجراءات التنفیذ، القوانین الدولیة الخاصة بالنزاعات المسلحة وبقوانین الحرب وبالقانون الدولی الانسانی، ومناورة التحالف الجویة المباشرة فی سوریا العراق وأفغانستان خیر دلیل على ذلک، حیث استهداف المدنیین بشکل واضح وصارخ، وحیث الاستعمال المفرط للقوة الصاروخیة والقنابل الذکیة لتدمیر مدن بأکملها کالرقة والموصل والرمادی، وفی استعمال القذائف والصواریخ المجهزة بالفوسفور الابیض المُحَظّر بشکل متواصل.
أما فی الیمن، فحدث ولا حرج عن مخالفة تحالف العدوان على الیمن - الذی ترعاه بامتیاز الادارة الامیرکیة - للقوانین الدولیة بشکل صارخ ووقح، حیث استخدام القذائف العنقودیة المحرمة دولیا، وحیث تدمیر البنیة التحتیة المدنیة والانسانیة، وحیث إستهداف المدنیین والمؤسسات الصحیة والاستشفائیة، وحیث الحصار والمجاعة المقصودة للضغط السیاسی على الیمنیین واجبارهم على الاستسلام، وحیث بالأساس، شن عدوان صارخ على الیمن لأسباب واهیة وتبریرات دون أی معنى أو مضمون یتعلق بالقانون الدولی.
وتأتی من ناحیة أخرى استراتیجیة الادارة الامیرکیة الأکثر خطورة، والتی تمارسها فی العدید من الدول والمناطق عبر العالم، فی استغلال النزعات أو الأهداف القومیة للمجموعات أو للشعوب، أو فی استغلال الصراعات التاریخیة بین الدول، لخلق التوتر والأزمات، بطریقة تسمح لها بنشر قوتها البحریة والجویة، تنفیذاً لسیاسة التوسع وبسط النفوذ، فنشهد انخراطها الواضح بتفاصیل بعض الازمات او الملفات بطریقة توحی وکانها معنیة بالکامل فی هذه الملفات، مثل ملف اوکرانیا وعلاقتها مع روسیا، وملف الخلافات المحلیة بین دول آسیا بأغلبها، الکوریتین أو الیابان وجاراتها أو الصین والفلیبین وتایلاند وکمبودیا وغیرها، أو الملف الکردی فی منطقة الشرق الاوسط  وفی سوریا بشکل خاص.
انطلاقا من کل ذلک، ومن خلال متابعة وتحلیل هذه المروحة الواسعة من الملفات التی تتدخل فیها الولایات المتحدة الأمیرکیة، وطریقة تدخلها بها، مباشرة عبر المناورات بوحداتها العسکریة الجویة أو البحریة أو البریة، أو غیر مباشرة عبر دیبلوماسیتها الناشطة والعنیفة فی کل دول العالم، یمکن الاستنتاج أن الولایات المتحدة الامیرکیة لا تلتزم بالقوانین الدولیة، وهی فی ذلک، أمّا من جهة تسخر مؤسسات القانون الدولی لمصالحها، أما من جهة أخرى تتجاوز هذه القوانین فی سبیل تلک المصالح، وتکون فی مطلق الأحوال، الدولة الأکثر ابتعاداً عن الالتزام بالقانون الدولی وبشرعة حقوق الانسان.
شارل ابی نادر


 


Page Generated in 0.0065 sec