printlogo


رقم الخبر: 133621تاریخ: 1397/9/15 00:00
هِستیریا اسْمُها «الأنفاق» تُحاصِر إسرائیل شَمالاً وجَنوباً وقَریباً شَرْقاً..



فی ظِل الحِصار بالأنفاق والصَّواریخ الذی تَعیشُه دولة الاحتِلال الإسرائیلیّ مِن الشِّمال والجَنوب والشَّرق هَذهِ الأیّام لا نَعتقِد أنّ بِنیامین نِتنیاهو ووزراءه یَمْلِکون الوَقت لاستکمالِ مسیرَة التَّطبیع، والزِّیارات المَیدانیّة التی کثَّفوها قبل بِضعِ أسابیع للعَدیدِ مِن العَواصِم العربیّة، اعتقاداً مِنهُم أنّ الأُمّة العربیّة استَسلَمت ورَفَعَت الرَّایات البَیضاء، وباتَت تُصَنِّفهم فی خانَةِ الحُلَفاء والأصْدِقاء.
نِتنیاهو طارَ أمسْ مَأزوماً ومَرعُوباً إلى بروکسل للِقاء مایک بومبیو، وزیر الخارجیّة الأمریکیّ، وطلب مُساعَدته، ودولته، قبل ساعاتٍ مِن إعلانِ المتَحدِّث باسْم جیشه عَن رَصْدِ أنفاقٍ سِریّةٍ حَفَرَها مُقاتِلو «حِزب الله» تحْتَ الحُدود الشمالیّة، وبَدأت الجَرّافات الإسرائیلیّة فی تَدمیرِها، وَسَطَ ضجّة إعلامیّة غَیر مَسبوقَة.
إسرائیل تَعیشُ حالة «هِیستیریا» اسْمُها الأنفاق، سَواء تِلک التی تَحفُرها حرکة «حماس» وفَصائِل المُقاوَمة الأُخرَى فی قِطاع غزّة، أو نظیرتها التی تُحْفرها المُقاومة اللبنانیّة فی الجَنوب، ولا نَستبعِد أن تَصِل هَذهِ التُّکنولوجیا الهَندسیّة إلى هَضْبة الجُولان التی تَجْرِی الاستِعدادات على قَدَمٍ وساقٍ لإعادَةِ فَتْحِها. حتّى هَذهِ اللَّحظة لم نَسْمَع ردّة فِعل «حِزب الله»، والسید نصرالله على هذا «التَّحرُّش» الاستِفزازیّ الإسرائیلیّ على الحُدود الذی أطْلَق علیه اسم «دِرع الشَّمال»، ولا نَعرِف طبیعَة هذا الرَّد، هل سیَکون التَّجاهُل المُطْلَق، وهذا هُوَ الأکثَر تَرجیحاً لأنّ عَملیّات التَّدمیر تَتِم على الجانِب الآخِر مِن الحُدود، أم سیَکون عَسکَریّاً رادِعاً لیسَ بحَفْر الأنفاق تَحتَ الأرض، وإنّما مِن خِلالِ تَرسانةِ الصَّواریخ التی تتمَرکز فی قَواعِد فَوقَها، أو بمَعنى أصَحْ فی باطِنْها، وحاضِنتْها الجَبلیّة الشَّمّاء، وهِی التَّرسانَة التی تَضُمْ 150 ألف صَاروخ تزداد دِقَّة وقُدُرات تَدمیریّة یَوْماً بعدَ یَوْم.
نِتنیاهو لا یُرید هذا «الدِّرع» لإنقاذِ الشِّمال، وإنّما لإنقاذِ نفسِه مِن حَبْل العَزل الذی یَضیقُ حَول عُنُقِه، ویُمْکِن أن ینْتَهِی بوَفاتِه سِیاسیّاً، ورُبّما قَضاء ما تبقّى مِن عُمُرِه خَلفَ القُضبان بتُهَمِ الفَساد.
تَظَلْ هُناک نُقطَة مُهِمَّة لا یُمکِن القَفْز عنها فی هَذهِ العُجالة، وهِی أنّ لُجوء «حزب الله» إلى هندسة حفر الأنفاق الذی یُجیدها ویَحتَفِظ بحُقوقِ طَبْعِها وإبداعِها، ویُصَدِّرها إلى قِطاع غزّة وسوریة والیمن، ورُبّما العِراق أیضاً، هذا اللُّجوء یُؤکِّد النَّظریّة التی تقول بأنّه، ورُبّما ما زالَ، یُخَطِّط لاقتِحامِ الجَلیل فی المَعرکةِ المُقْبِلةِ وتَحریرِه کامِلاً، تَمْهیداً لتَحریرِ باقِی الأراضی
 المُحتَلَّة.
نِتنیاهو وکُل قادَته العَسکریّین فی حالةٍ مِن الارتِباک غیر مَسبوقة، فهُم قَلِقُون مِن الوُجود الإیرانیّ فی سوریة، ومَرعوبون مِن تَواجُد «حِزب الله» فی الجُولان السوریّ فی مُواجهةِ الجُولان المُحتَل، وامتِلاکِه مصانِع لإنتاج الصَّواریخ الدَّقیقة ویَرتَعِدون خَوْفاً مِن التَّنسیقِ المُتسارِع بین الحِزب وحرکات المُقاوَمة فی قِطاعِ غزّة، وتَزوید الأخیرة بصَواریخ «الکورنیت» التی حَسَمَتْ الحَرب الإسرائیلیّة الأخیرة على القِطاع فی أقلٍّ مِن 48 ساعَة، ولا نَنْسى رُعبَه مِن صَواریخ «إس 300» التی باتَت فی حَوْزَةِ الجیش العربیّ السوریّ، وأنْهَت عَربَدةَ الطائرات الإسرائیلیّة فی أجواءِ سوریة.
صَدیقٌ عَزیزٌ هاتَفَنی مِن قِطاع غزّة لیَسْأل عَن الأخبار، وتَبادُل الآراء، قالَ لی عِبارةً قَویّةً تُلَخِّص الوَضع العَربیّ الرَّاهِن: «لُبنان وقِطاع غزّة یُمَثِّلان أقَل مِن 1 بالمِئة من مَساحَة الوَطن العربیّ وسُکّانِه، ومَع ذلِک یُلحِقان المَذَلَّة والرُّعب والهَزائِم بإسرائیل التی تُصَنَّف بأنّها القُوّة الرَّابِعة فی العالَم.. ألیسَ هذا قِمّة الإبداع؟.. ألیْسَت هَذهِ أُمْ المعْجِزات؟.. ألیْسَتْ هَذهِ قِمّة المفارَقات؟».
لا أجِد خاتِمَةً لِهَذا المَقال أبْدَع وأَقوَى وأکْثَر تَعْبیراً مِن قَول هذا الصَّدیق الصَّامِد تَحْتَ الحِصارَین العَربیّ والإسرائیلیّ.
عبد الباری عطوان
 


Page Generated in 0.0056 sec