printlogo


رقم الخبر: 133615تاریخ: 1397/9/15 00:00
ماکرون ومستقبل العرب!



الصعود السریع للرئیس الفرنسی ایمانویل ماکرون بفرنسا وقفزه المظلی على الساحة السیاسیة، فتح أبواب التحلیلات المستندة على المؤامرة، ولا سیما بعد تدرجه السریع وعمله ببنک روتشیلد، وبزوغ حرکة مساندة له قوامها صغار السن، ومن کافة الأطیاف وممثلة بالیمین والیسار والجامع الوحید بینهم هو احترام العولمة ورفض النزعة السیادیة السلطویة.
ورغم أن للمؤامرة دوما وجاهتها المنبثقة عن حقائق تاریخیة، الا أن الظروف الموضوعیة تتطابق أحیاناً مع المؤامرة لیصعب الفصل بین کون الحدث نتاج طبیعی لمحصلة الاوضاع والتراکمات، وکونه نتاجا بحتا لمؤامرة.
فرنسا کمجتمع أوروبی یعیش أزمة تناقض بین قومیات ترسخت فی وجدان الشعوب، وعولمة طغت على هذا الوجدان، واصطحبت معها أوضاعا اقتصادیة عمقت من الاستیاء وحولت الحنین القومی الى غضب اقتصادی واجتماعی.
وفرنسا، تحدیداً التی کان للحزب الاشتراکی بها تناوب على السلطة، فقدت بریقها الاشتراکی بعد أن انضمت للاتحاد الأوروبی، وأصبح احترام العولمة فرضا علیها، وکذلک بعد تداعیات العولمة والتی نقلت المراکز الصناعیة للخارج لدى البلدان ذات العمالة الکثیفة والرخیصة، مما جعل قضایا العمال وحقوقهم تتراجع لصالح قضایا أخرى مثل الحریات والمثلیة وقضایا تتقاطع بین الیمین والیسار، مما ضیق الفجوة بین التیارات وسمح بوجود جبهات جامعة للیمین والیسار بداخلها، مثل حرکة (اون مارشی) او (سائرون الى الامام) والتی شکلت رافعة لماکرون الى الرئاسة. ربما تصور الشعب الفرنسی أن هذه الحرکة وماکرون سیشکلان مخرجا من التناقض بین العولمة والقومیة، ولکن فوجئ الفرنسیون بأن ماکرون وتوجهه، سیقودان لنفس مصیر الیمین بقیادة سارکوزی والیسار بقیادة هولاند، وان المصائر متشابهة، فنبتت حرکة (السترات الصفراء) وهی حرکة ایضا مشکلة من الیمین والیسار کرد فعل على هذا التناقض الجدید. الحالة الفرنسیة لیست فریدة، ففی ألمانیا صعود للیمین مع ذات التناقضات، وکذلک ایطالیا فیها تحالف جبهوی یمینی یساری، وهناک توجه قوی لمغادرة العولمة الممثلة فی الاتحاد الاوروبی الذی أصبح بمثابة لوحة التنشین على العولمة داخل اوروبا، والخروج البریطانی کان مصداقا عملیا لهذا التناقض المأزقی.
الولایات المتحدة رائدة العولمة، هی الأخرى تعانی من تداعیاتها، وترامب یقود حملة کبیرة على مؤسسات العولمة، ولا تکبح جماحه سوى قوى الضغط العولمیة داخل امریکا، ولکن الحالة الامریکیة فریدة ولا تصلح للقیاس، لانها تحارب العولمة وتتبناها وفقا للمصلحة ووفقا للتوازن، وقد کانت حروب ریغان على الیابان مشابهة لحروب ترامب على الصین، لکن ربما الوضع الراهن یختلف لان الصین تختلف عن الیابان فی حجم الانتشار والتوسع. وتظل الحالة الامریکیة غیر صالحة لقیاس مستقبل العولمة بسبب نهجها الانتقائی وفقا للمصلحة.
الأنظار موجهة الآن لمنطقتنا والتی تشکل أسواقا للعولمة، والتی لا تستفید شعوبها شیئا منها عبر حریة التنقل والعمل، وخاصة بعد صعود الیمین المناهض للهجرة، وبعد تفتیت البنى التحتیة الصناعیة وافتراس مؤسسات العولمة لکل فرص العمل المتاحة، وبعض التطورات التکنولوجیة التی قللت من العمالة البشریة بشکل عام.
ما هو مستقبل شعوب المنطقة، خاصة أنها لا تمتلک لوحة تنشین مثل الاتحاد الاوروبی على سبیل المثال لتوجه غضبها ضده؟
هل ستوجه غضبها تجاه مؤسسات العولمة وهی دائرة واسعة سائلة ومنتشرة أم ستتجه الى وکلاء العولمة من الانظمة الحاکمة الخاضعة لمؤسساتها؟
فی الحالة الاوروبیة خرجت التظاهرات لمناهضة العولمة، وصعدت التیارات المناهضة لها، وحققت نتائج انتخابیة معبرة عن الغضب، فتوزع الغضب بمجار خففت حدته، واحتدت الامور بفرنسا على النحو الذی نراه، لان البدیل المنقذ الذی توسمه الفرنسیون أصبح أمامهم وهماً وسراباً، فتوجه الغضب ضده مباشرة.
أما فی الحالة العربیة، فلا توجد مجار لتفریغ الغضب، ومنافذ السیاسة مسدودة، والقوى السیاسیة تم اضعافها والحیلولة دون تکتلها، کما تنامت تیارات لیبرالیة داخل الیمین والیسار حالت دون بروز الشکل (الکینزی) للراسمالیة والذی یسمح بدور للدول فی المساعدة على النمو، کما حالت دون بروز الشکل الرادیکالی للیسار، فحولت التیارات لمسوخات. لم یبق أمام الشعوب الا جولة أخرى من العنف ضد وکلاء العولمة الممثلة فی الانظمة. ربما ما یؤجل هذه الجولة، افتقاد البدیل العملی، وربما الذاکرة القریبة التی امتلأت بالاحباط نتیجة الجولة الفاشلة من الثورات والتی تم التحایل علیها، وکذلک اختلاط الثورات المستحقة بثورات ملونة ومؤامرات واضحة، مما أنتج وضعاً کارثیاً أعطى للاستسلام وجاهة فی مقابل محاولة التغییر! لکن درس التاریخ هو انتقال عدوى الغضب، کما أن درس الطبیعة هو الانفجار فی غیاب أیة مجار للتنفیس. واذا اجتمع الغضب وما یصاحبه من افتقاد البدائل مع أوضاع اقلیمیة ودولیة ترغب فی حل أزمتها، فإن شریعة الغاب وعودة الاستعمار التقلیدی هی المستقبل القریب جداً.
إیهاب شوقی


 


Page Generated in 0.0056 sec