printlogo


رقم الخبر: 131774تاریخ: 1397/8/20 00:00
تصحیح الخلل المزمن


ثمة روایة سیاسیة محجوبة عن اللبنانیین والشباب خصوصا تتعلق بکیفیة فرض الاحتکار التمثیلی الحریری على «الشارع السنی» وعلى الوسط السیاسی بأسره وفیها ما یتخطى فعل النفوذ السیاسی والمالی والأدوات الإعلامیة الخاصة والمستأجرة التی زجها تیار المستقبل فی اوسع عملیة تجویف وتقویض للقوى المنافسة بمعونة حلیفین کبیرین وفاعلین تحت رعایة أمیرکیة غربیة وبدعم فرنسی غالبا هما المملکة السعودیة وفریق الإدارة السوریة فی لبنان برکنیه عبد الحلیم خدام وغازی کنعان.
کان الرئیس حافظ الأسد فی مطلع التسعینات یکرس کل جهوده وجل وقته لمعرکة سیاسیة ضاریة مع الحلف الأمیرکی الصهیونی منذ مؤتمر مدرید وقد روى لی الأستاذ الراحل جبران کوریة ان الرئیس فی حینه کلن یتلقى أکثر من ألف صفحة من التقاریر الموجزة وملخصات المحاضر کل یوم وأقصى ما استطاعه لحمایة أصدقاء سوریة المستهدفین من خصوم الحریریة ومخالفی مشروعها الاقتصادی والسیاسی أن یوفر لهم مظلة للحمایة والتدخل عند اللزوم لمنع البطش بهم عبر الدکتور بشار الأسد الذی نقل إلیه الرئیس مسؤولیة متابعة هذا الشق من الملف اللبنانی بعد وفاة شقیقه الرائد باسل وکان فی صلب هذا الانتقال موضوع العلاقة بالمقاومة التی دبرت ضدها محاولات انقلاب متکررة وکان حلفاؤها الوطنیون من الطائفة السنیة الأشد حزما فی الدفاع عنها من مواقعهم السیاسیة والرسمیة.
تقدمت عملیات التجویف السیاسی والشعبی لزعامات وطنیة راسخة بمجموعة ادوات تکفل بفرضها ثنائی خدام کنعان مستثمرا وزن سوریة وخطوط إدارة الملف السیاسی بعد الطائف فی جمیع المجالات لترجیح کفة الحریریة وتمکینها من الاکتساح السیاسی للخصوم ناهیک عن التنکیل بهم بدءا من تفصیل الدوائر فی قانون الانتخاب لصالح ثنائی الحریری جنبلاط وباستثمار المقاطعة المسیحیة إلى إعمال جمیع وسائل الضغط والتأثیر المالیة والسیاسیة وتعطیل أی ضوابط .
فی إحدى اللقاءات بعد انتخابات 1996 روى لی دولة الرئیس سلیم الحص کیف کان ینظم شؤون مواطنیه فی مدینة بیروت عبر لجان فی الأحیاء تضم نخبة من الشخصیات التی یحترمها الناس ویثقون بها وکیف شرعت تصله المعلومات عن استدعاء هذه اللجان إلى قصر قریطم واصطیاد کوادرها وکیف تمادى تنفیذ انقلاب سیاسی ضده باستعمال المال وبتدخلات امنیة سوریة لصالح الراحل الحریری وفریقه السیاسی وکنا یومها نناقش ما حصل فی تلک الانتخابات ونتائجها وسمعت روایة مماثلة عن طرابلس من الرئیس الراحل عمر کرامی ولدینا حشد من الوقائع الکثیرة المشابهة عن حروب الحریریة لتکریس احتکارها السیاسی بمعونة جنبلاط وخدام وکنعان وهذا ملف لو فتح لظهرت فی ثنایاه حقائق مشینة فیها شراء مواقف وخیارات بالمال وبالمناصب والامتیازات وضغوط أساءت لصورة سوریة ولسمعتها ولموقفها القومی والوطنی.
الحقیقة التی تهمنا الیوم هی ان تیار المستقبل لم ینشأ وبیده احتکار تمثیل طائفة کبرى کانت فیها زعامات وقامات وطنیة مقاومة وناصر جمهورها عبر عقود فکرة العروبة والمقاومة من زمن الزعیم جمال عبد الناصر والثورة الفلسطینیة.
بعد اغتیال الرئیس رفیق الحریری لتفجیر لبنان ولفرض الخروج السوری والشروع بمحاولة تصفیة المقاومة بقیادة جیفری فیلتمان وقع الفرز السیاسی الکبیر بین معسکری الثامن والرابع عشر من آذار 2005 وکانت قاعدة الفرز هی الموقف من سوریة والمقاومة ویومها وقف حلفاء سوریة الذی ضربتهم الحریریة بواسطة من تکشفت بعدها خیانتهم لدولتهم وقفوا إلى جانب مبادئهم وتمسکوا بدعم قلعة العروبة والمقاومة فی دمشق التی کانت هی المستهدفة مع المقاومة البطلة التی أذلت العدو.
کان الرئیسان سلیم الحص وعمر کرامی والنواب أسامة سعد وزاهر الخطیب وعبد الرحیم مراد وجهاد الصمد ومروحة واسعة من القوى والشخصیات الوطنیة العروبیة فی مقدمة الثامن من آذار والأوضح فی التعبیر عنها کخیار سیاسی داعم للمقاومة وللتحالف مع الشقیقة سوریة وقد استهدفت هذه الرموز والقوى امنیا وسیاسیا ومالیا وطالها مع انصارها تنکیل وانتقام بواسطة بعض الأجهزة الأمنیة وعبر حملات إعلامیة کثیفة وتجنیات بلغت حد توجیه اتهامات لبعضها بالتورط فی جریمة الاغتیال - کجمعیة المشاریع- لإسکاتها ورصدت عیون المخبرین جمیع زوار دمشق وفبرکت عنهم روایات کاذبة تجند لنشرها وبثها طابور من المرتزقة فی معظم وسائل الإعلام التی أغدقت علیها الأموال والعطایا وکانت الحملات الأشد قسوة على رموز الفریق الوطنی من الطائفة السنیة بصورة منافیة لأی قیم او اخلاق ولأی قانون. کان الفرز الحقیقی وطنیا وقومیا فی حرب تموز 2006 التی کانت ثمرة خطة امیرکیة صهیونیة رجعیة ساهم فیها الناتو بجمیع دوله وخصوصا «الأم الحنون» فرنسا و«المملکة العجوز» بریطانیا وألمانیا مرکز اللوجستیک الصهیونی فی أوروبا وخلال هذه الحرب کان الوطنیون من الطائفة السنیة فی المقدمة دفاعا عن لبنان وعروبته وعن المقاومة واستمر استهدافهم بالضغوط والإغراءات لتجرید المقاومة من أحد أبرز عناصر مناعتها کما تبین فی ما بعد عندما ظهرت الفتنة المذهبیة کأحد اخطر أدوات غزوة التکفیر التی قرعت أبواب لبنان وجروده وسهوله ومدنه بعنف العملیات الانتحاریة لخلایا داعش والقاعدة التی کان بعضها محمیا من مواقع فی السلطة احدثها وحماها وادارها تیار المستقبل للمشارکة فی تدمیر سوریة وتفجیر لبنان. فی جمیع التسویات الحکومیة اللاحقة رضخت قوى الثامن من آذار رغم کل ما تقدم وانصاعت لفرض الاحتکار التمثیلی الحریری باستثناء الحکومة التی تخلى فیها الرئیس نبیه بری عن مقعد وزاری من حصة کتلته لصالح فیصل عمر کرامی. التصمیم والحزم فی موقف قیادة حزب الله والرئیس نبیه بری حول تمثیل اللقاء التشاوری یجسد تصحیحا تاریخیا مستحقا لخلل تراکمت مقدماته وعناصره الإلغائیة منذ اتفاق الطائف بحق تیارات وشخصیات سیاسیة واعتباریة وطنیة عروبیة تم شطبها وتغییبها بأفعال مدبرة وغیر اخلاقیة یعرفها الجمیع ولذلک فإن هذا التصحیح المهم وطنیا وسیاسیا یکتسی قیمة أخلاقیة عالیة فی السیاسة اللبنانیة وهو مدماک راسخ ضد ریاح الفتنة المسمومة التی باتت ابتزازا مستمرا ضد الذین نزعوا انیابها.
غالب قندیل
 


Page Generated in 0.0063 sec