printlogo


رقم الخبر: 131771تاریخ: 1397/8/20 00:00
العدو الاسرائیلی وسباقه على القوى الکامنة



یعرف الدارسون للسیاسة ان هناک فروقا دقیقة بین مفهوم التوازن الدولی أو الاقلیمی، وبین مفهوم الاستقرار. وان ابرز ما یفرق بین کلیهما هو الجانب القیمی المتعلق بالرضا عن التوازن، فاذا کان احد الاطراف غیر راض عن هذا التوازن فهو یهدد الاستقرار، بینما یمکن ان یتحقق الاستقرار حتى فی غیاب التوازن اذا سادت قیم التعایش وانتفت المطامع.
وهناک انواع من التوازنات، ولکن ابرزها ما ساد بعد الحرب العالمیة الثانیة، واثناء ما اصطلح علیه بالحرب الباردة، حیث ساد توازن الرعب، وهو الذی شکل دور رادع لعدم تکرار حروب عالمیة، ولکن حدثت الحروب فی المناطق والاقالیم التی اختل بها هذا التوازن.
والتوازن الاقلیمی لا یقوم فقط على توازن ذاتی للدول المشکلة للنسق الاقلیمی، بل یدخل فی تشکیله ایضا، نفوذ القوى الدولیة وعمق التحالفات وطبیعتها.
وفی منطقتنا التی تعرف استعماریا بالشرق الاوسط، اختلت التوازنات التی سمحت بنشوب الحروب، لاسباب معقدة وتبعا لمعادلات ریاضیة اطرافها متانة التحالفات مع القوى الکبرى والقوى الذاتیة لاطراف الحروب عسکریا واقتصادیا واجتماعیا. وظلت تجاذبات القوى الکبرى تکاد تکون متعادلة، بما ترک مساحة لتوازنات القوى الذاتیة لتفرض معادلاتها، حتى اخل العرب انفسهم بکفة میزانهم بالتسلیم لقوة امریکا واعتبار اوراق اللعبة بیدها، فأصبح الخصم حکما، وتوالت الانهیارات.
والیوم بعد عودة تعدد الاقطاب، وبعد ان شغلت روسیا والصین فراغا اعقب انهیار الاتحاد السوفیتی، عادت القوة الذاتیة لتلعب دورا کبیرا فی التوازن، وبعد تنامی محور المقاومة، وخلق توازن للرعب، صار هناک نوع من التوازن الاقلیمی، ولکن لا یتحقق بناء علیه الاستقرار الاقلیمی، بسبب خلل الجانب القیمی، والذی یرفض معه العدو الاسرائیلی هذا التوازن الاقلیمی، والذی ترفض معه امریکا ایضا هذا التوازن الدولی. من هنا تأتی خطورة الاوضاع، حیث رفض التوازن یهدد الاستقرار وینذر بالحرب، فما بالنا لو کان توازنا للرعب، وهو ما ینذر بأن الحرب ستکون من النوع المدمر، وستکون ای حرب اقلیمیة غیر مسبوقة فی دمارها، وای تطور عالمی یشکل حربا عالمیة، ستکون غیر مسبوقة فی الابادة والخراب.
ولأن العدو الصهیونی والامریکی یعلمان جیدا هذه المعادلة، فقد لجأ معسکرهم لتصدیر الدمار والابادة لداخل الاقلیم وظلت اهدافهم وخططهم تدور حول مقاربات رئیسیة اهمها:
1 - القضاء على مفهوم قومیة المعرکة ووجدانیتها للاخلال بالتوازن، وهو باختصار مفهوم الصراع العربی الاسرائیلی او وجدانیة ودینیة المعرکة، بحیث لا ینضم العالم الاسلامی للصراع، وذلک بمحاربة الوحدة، وتفتیت الدول القومیة وجیوشها، وعلى الجانب الاسلامی بزرع الفتن المذهبیة، وذلک لحرف مسار الصراع وتشتیت القوى، بل وضربها ببعضها البعض.
2 - الحیلولة دون بناء القوى الذاتیة، عبر فرض انماط اقتصادیة تابعة، والقضاء على مفاهیم التنمیة المستقلة والانتاج والاقتصاد المقاوم، وکذلک التبعیة فی التسلیح والحفاظ على التفوق الصهیونی، واتباع منطق الحصار لأی مقاومة وأی قوى واعدة تستطیع احداث توازن الرعب.
3 - محاربة القوى الکامنة والتی یمکنها الانتفاض على الانظمة وتغییر النمط السائد والمستقر منذ کامب دیفید، وهذه القوى الکامنة هی المتعلقة بالشعوب وقواها السیاسیة والاجتماعیة ووعیها وایمانها وارادتها، فکان مضمار الوعی والارادة هو المضمار الرئیسی للحروب ولا یزال، بل ویتکثف حالیا لیصبح مضمارا رئیسیا وجبهة متقدمة.
لماذا لا نتساءل حول انتفاء وجود منظمات دولیة وحقوقیة تنتقد تزییف الوعی وتزویر التاریخ، مثلما تواجه وتنتقد القمع؟ الیس الوعی حق اصیل من حقوق الانسان؟
ببساطة یعرف الغرب ان القمع یمکن ان یفجر القوى الکامنة ویستفزها للاطاحة بالنظام السائد، وبالتالی فهو یحاول التسکین والحیلولة دون هذا الانفجار، بینما قمع الوعی وتزییف الحقائق وحرف المسارات هو المطلوب للقضاء على هذه القوى.
إن اطراف المواجهة سواء فی معسکر الهیمنة والاستکبار، او فی معسکر المقاومة، تتعامل مع جبهة الوعی، بمثابة جبهة متقدمة للصراع، وبعد حدوث توازنات عسکریة وسیاسیة، ووجود مقاومة اثبتت جدارتها فی التصدی للهیمنة، بقی الصراع والتنافس على القوى الکامنة بالشعوب، بمثابة کعکة کبرى، وعامل مرجح للانتصار.
ومع تغیر وتطور مکونات الوعی ووجود اسالیب حدیثة لتشکیل هذا الوعی، نرى تکثیفا من قبل معسکر العدوان فی استخدامها، واصبح لزاما على انصار المقاومة الاصطفاف فی وجه هذا التزییف وهذه الحملات. ان المتابع لمواقع التواصل الاجتماعی وکمیة المواد التی تنشر علیها ضد المقاومة، یعلم مدى اهمیة هذه المواقع للعدو ناهیک عن مئات والاف المواقع والصفحات ووسائل الاعلام والتی تستغل کسل المعرفة واستسهال الشعوب للصورة بدیلا عن القراءة، فی تزییف الوعی وزرع السلبیة وسلب الارادة. کذلک زیارات التطبیع مع دول خلیجیة ومحاولات تشکیل الناتو العربی المزعوم، کل ذلک یمکن فهمه فی هذا السیاق الحارف للصراع والنازع لقومیة المعرکة.
ربما تستفیق الشعوب نتیجة کارثة او نتیجة حرب مدمرة، وربما یکون المشوار طویلا لإستعادة وعیها وایمانها وحماستها، ولکن المطلوب الاصطفاف للتوعیة والتثویر لاقامة الحجة من جهة، ولضمان سلامة البوصلة عند ای انفجار متوقع من جهة اخرى.
ان صفقة القرن المزعومة لن تمر الا اذا تم تحریف الصراع وتم اضعاف القوى الکامنة، والمواجهة الصحیحة لهکذا صفقات، تکون بالثبات على اسس الصراع وعلى قومیة ووجدانیة المعرکة والوحدة فی خوضها، والمحافظة على القوى الکامنة واستقطابها فی الاتجاه السلیم وهو جانب المقاومة.
کل من ینحرف عن هذه الاسس ویبتکر صراعات اخرى، او یعمل على اضغاف القوى الکامنة سواء بتزییف الوعی او سلب الارادة، وکل من یخل بالقوى الذاتیة عبر اقتصاد تابع وتسلیح مشروط وعاجز، کل هؤلاء بعیدون عن المعرکة ومصطفین مع العدو بوعی او بدون وعی، على هذا یکون الفرز، على الوعی والوحدة والتحرر والاقتصاد المقاوم.
إیهاب شوقی
 


Page Generated in 0.0051 sec