printlogo


رقم الخبر: 131764تاریخ: 1397/8/20 00:00
نَهْیٌ... وعَتَب



فی الحالة الأولى: حوارٌ بین طرفَیْن، أَخْذٌ ورَدٌّ، قیلٌ وقال، خلافٌ فی وجهات النظر، تبایُنٌ فی الآراء، انقسامٌ فی التوجه، إلا أنه فی واقع الحال أحدهما على حق والآخر خِلافُه، أی على باطل. والذی على باطل یُسیء التصرف ویتَّبِعُ مساراً غیر أخلاقِیّ بتجلیاته المختلفة: غَصْبُ حقّ، رفع صوت، قلة احترام، حرکات استفزازیة وتصرفات غیر عقلائیة، تسلح بالکذب واستعانة بالحرام، وغیرها من المسلکیات المُشینة التی تُظهر دناءةً فی مستوى فاعلها. وفی المقابل، ردّةُ فعلٍ طبیعیة من المظلوم، سنقتصر على بعض مصادیقها ـ ذات الطابع السلبی ـ والتی قد تتجسد بشتم الظالم والانهیال علیه بالألفاظ البذیئة ونحوها من الإساءات الکلامیة المنبوذة عند أهل العقل والتعقل وذوی الألباب الحضاریة والعقول الراقیة. وعلیه، فی هکذا سیاقات، حیث التهجم السلبی الظالم والرد غیر المنضبط... نقول: نَهْیٌ... وعَتَب.
فی حالة ثانیة، فی میدان الإجارات، مُؤَجِّرٌ ومُستأجِر، حان وقت الدفع والاستلام، وإعطاء الحق لصاحبه، فیطالب الأخیر بحقه فلا یلقى تجاوباً، یحاول مرة وأخرى، حثیثاً وتداوماً، فیضیق ذرع «المُطالَب» وینفجر غضباً ومعلناً عن عدم نیته الدفع، لتکون النتیجة المقابلة انهیال الشتائم من المغصوب حقه على الغاصب و«تزفیر» اللسان بما هبَّ ودبّ من مفردات کذائیة مذمومة ومرفوضة، یرفضها الدین والعقل، لنعاود ونکرر المقولة ذاتها ـ للمنتَهِک والمنتَهَک ـ ومفادها: نَهْیٌ... وعَتَب.
أما ثالث الحالات، فقد تُلمَس فی عالم الخدمات الاجتماعیة، السلطة والحکم، حیث الرئیس والمرؤوس، فالأول مُناطٌ به تقدیم الخدمات ولوازمها للثانی، وإذ به یتخذ من التقصیر منهجاً ومن السبات منزلاً ومن التقاعد مآلاً مبکراً، ویغدو مُغرّداً فی صومعة من «التخدر» لا یُعلَم زمان استیقاظه لتزداد الأوضاع سوءاً وانهیارا، فتحضر الطریقة المقیتة من الطرف الآخر: شتمٌ وألفاظ فاحشة... فیحضر التعلیق ذاته: نَهْیٌ... وعَتَب.
لا بأس برابعة، وذا فی محضر الأبوَیْن قد یُلاحَظُ، أمٌّ تطلب من ضناها خدمة، وهی فی واقع الحال کنزٌ أُخرَوِیٌّ تَشْرَئبُّ له أعناق الأولیاء الصالحین إذ أنها تقذف بهم أمیالاً فی سُلَّم الارتقاء والتقرب من الباری(جلَّ وعلا)، بید أن الغلام «المسکین» ینتفض مُتَأَفْئفاً لا یعجبه الحال ـ لسببٍ تافهٍ أو لآخر أتفه ـ فیرد ـ بئسما رَدٍّ ـ على مَنْ أنجبته ورعرعته وتحملت المشاقّ فی تنشئته ویرفض تلبیتها، هذا فضلاً عن المکاسب التَّرقویة التی فوّتها على نفسه فی لحظة غفلة یعتریها جهلٌ وقلة عزیمة وفقدان بصیرة، فتعود «منبع المحبة وإکسیر الحنان» بالدعاوی غیر المسؤولة ـ کلا لستِ معذورة یا غالیة ـ على مَنْ مرَّ فی زمان ما فی حشاها... فتأتینا العبارة ذاتها: نَهْیٌ... وعَتَب. محطةٌ خامسة تُعَرِّج بنا الى الأحیاء السکنیة، حیث الواحد یُجاور جارَه، فتبوح لنا الجیرة بالتحامات تنفضُّ مفرداتها على حسنٍ فی التعامل وسوءٍ فی التعاطی، وفی الثانیة روایات من قبیل «ماء یتساقط من الأعلى» و«موقف قد أُخِذَ غصباً» و«صراخ یعلو» و«هتاف یدنو» و«کهرباء قُطِعَت» وما شِئْتَ فاستکمل من الأمثلة، فیستنفر المُستضعَف مُجرِیاً على لسانه فاحشَ الکَلِمِ ودنیء العِبَر... فنعود الى الوضعیة نفسها: نَهْیٌ... وعَتَب.
أما سادس الحالات وسابعها وما بعدهما فنترکها لِمُخَیَّلة القارئ العزیز ونذهب نحن الى لَمْلَمة تقییمیة تفیدنا بقاعدة عامة مشترکة لجمیع الحالات ومفادها: نَهْیُ عن المنکر للظالم... وعَتَبٌ على طریقة رَدّ المظلوم عندما تکون غیر أخلاقیة وبعیدة عن المسار الأدبی. فعلى الظالم - بشکل عام - أن یتَّقی الله فی عباده ویکف عن الظلم والإجحاف، وعلى المُستأجر أن یقوم بمهامه - إیصال المُستحق لأهله - حین دُنُوّ موعده، وعلى الحاکم أن یدرک أن السلطة مسؤولیة خطیرة فی عنقه قد ترقى به الى أعلى عِلِیّین کما أنها قد تودی به الى أسفل سافلین، وعلى الابن - والابنة - أن یکونا على حذر فی التعامل مع الأبوَیْن والحرص على عدم إزعاجهما - فضلاً عن إغضابهما - وأن یخفضا لهما جناح الذل من الرحمة، وعلى الواحد التنبه - بشدة - على عدم أذیَّة الجار من حیث یدری أو لا یدری، ومعاملته بحضارة وإنصاف والترفع عن توافه الأمور وصغائرها (وطبعاً هذا منحى عام یشمل جمیع الخلق ولیس فقط الجار)، ویُستطرَد المسلک الحسن والتصرف الخلوق فی باقی الحلات وتفرعاتها.
أما الوقفة فی دائرة العتب، فتستقر على إرشادٍ عام یقضی بأن على المظلوم عدم التهور وأن یحذر من فلتات لسانه، ففاحش القول لن یُرجِع حقّه وقد لا یضر الظالم بشکل مباشر، بل على العکس فإنه یضر نفسه ویسیء إلیها ویُنزِل من قیمتها المعنویة وتوجهها المسلکی، فالمطلوب مجابهة الظلم بالطرق المشروعة والقانونیة والله المُوَفِّق. وعلیه، علیک بالصبر أیها المُؤجِّر ونَظِرةٌ الى مَیْسَرة، وابتعد عن التجریح أیها المواطن وانتقد بالأطر القانونیة، وإیاکما والانجرار خلف الدعوات الشیطانیة - أیها الأبَوَان الحبیبان - والتی لا تخرج من قلبَیْکما على الأغلب، وتمهَّل أیها المتضرر من الجار وبادل الآخر بالتی هی أحسن لعل الله یُحدِث بعد ذلک أمرا، وتُستطرَد وجوه الخیر فی باقی الحالات، لتنمو حصاداً باهراً فی تلک الدار، فما کان لله ینمو، ولا یضیع عنده عمل عامل منکم من ذکر أو أنثى... والله خیر الرازقین... والمُعَوِّضین.
أبو تراب کرار العاملی


 


Page Generated in 0.0073 sec