printlogo


رقم الخبر: 131553تاریخ: 1397/8/15 00:00
«الذئاب المنفردة».. هل تتمکن أوروبا من مواجهتها؟



یُطلق اسم (الذئاب المنفردة) على أهم وأصعب التشکیلات الأمنیة؛ حیث یتولى شخصٌ واحدٌ تنفیذ العملیات. تتمیز عملیات (الذئاب المنفردة)، بأنها غیر تقلیدیة؛ لأنها عشوائیة، ولا تعتمد على مرکزیة قیادیة، وهو ما یشکل تحدیًّا صعبا أمام أجهزة الاستخبارات لکشف المنفذین. عانت أوروبا من الذئاب المنفردة لتنظیم (داعش) الإرهابی؛ الذی مرر کثیرا من عملیاته للعواصم الأوروبیة عبر هذه الاستراتیجیة، نظرا للتشدید الأمنی وصعوبة تنفیذ عملیات تقلیدیة جماعیة، وسهولة اختراقها للمجتمعات الأوروبیة عبر شبکات الإنترنت. ولذا أصبحت الذئاب المنفردة هی الوسیلة المناسبة لاختراق القبضة الأمنیة ووکالاتها الاستخباراتیة.
رکز (داعش) على (الذئاب المنفردة) لعدة عوامل، أهمها تراجع التمویل فی التنفیذ، وصعوبة الملاحقة الأمنیة والاستخباراتیة.
لم تکن سیاسة (الذئاب المنفردة) حدیثة العهد، فقد استخدمتها حرکة (طالبان) فی أفغانستان ضد الاتحاد السوفیاتی فی تسعینات القرن الماضی، وکان أبرز المنظرین لها أبو مصعب السوری، ثم تطورت هذه الآلیة مع تسخیر الثورة الرقمیة لخدمة أهدافها.
رغم تطور الجماعات الإرهابیة فی استخدام استراتیجیة الذئب المنفرد لتنفیذ عملیاتها خارج أماکن سیطرتها، وتصدیر هجماتها حول العالم، فإنها لم تکن الجماعات الأولى أو الوحیدة التی تستخدمها. فعلى سبیل المثال لا الحصر، فی عام 2010 ارتکب الإرهابی النرویجی الیمینی المتطرف (أندرس بهرنغ بریفیک) أعماله الوحشیة التی تستهدف أنصار الجناح الیساری والأحزاب السیاسیة، فبعد تفجیر سیارة مفخخة خارج مبنى حکومی فی أوسلو، فتح النار على معسکر صیفی نظمته رابطة شباب حزب العمل النرویجی.
لکن السؤال الأهم دائما والذی یطرح نفسه هو: کیف یمکن أن یتحول الفرد إلى ذئب متطرف؟ وفق عدة دراسات أجریت على (الذئاب المنفردة)، تم رصد عدة عوامل تحفیزیة تدفع الفرد للتحول منها: تحدید الهویة الاجتماعیة والدینیة والتفاعل الاجتماعی، والأسرة والصدیق والوضع الاجتماعی الاقتصادی، والخلفیة الإجرامیة لکثیر من الذئاب، والخلط ما بین الإحباطات الشخصیة مع الأیدولوجیات المتطرفة، وإلقاء اللوم على البیئة الخارجیة فی خلق مشاکل خاصة بهم (فقدان العمل، أزمات مالیة، والاکتئاب).
الا أن هذا التشخیص یبدو ناقصاً اذ رکز على العوامل السیکولوجیة والسوسیولوجیة لکنه تجاهل عوامل أخرى ترتبط باطلاق الید للفکر الوهابی بالانتشار وتسلمهم للکثیر من المساجد فی أوروبا. یعتبر الإنترنت واحدا من أهم العوامل المعززة لتطرف الأشخاص، إذ تمکن الشبکة العنکبوتیة الذئب من التواصل مع الآخرین الذین یتشارکون المواقف والأیدیولوجیات؛ حیث یمکن للأشخاص الذین یملکون قابلیات للتحول الى التطرف، تعزیز آرائهم والتعبیر عن شکاواهم واحتمال إحساسهم بأنهم جزءٌ من مجموعة أو قضیة..ولأهمیة الإنترنت فی  تعزیز عملیات الذئب المنفرد، نشر تنظیم (داعش) کتاباً بعنوان (المبادئ التوجیهیة للسلامة والأمن من أجل مجاهدی الذئاب المنفردة) والذی تضمن عددا من نصائح التنظیم للمتعاطفین معه وذئابه المنفردة، من أجل الإفلات من القبضة الأمنیة. فعلى سبیل المثال لتلک النصائح والإرشادات، منع اللباس الدینی، وتفضیل الملابس المدنیة المشابهة للعوام من الناس، منع ارتداء الساعة فی الید الیمنی، استبدال تحیة الإسلام (السلام علیکم) بتحیة أخرى على حسب المکان الذی یوجد به الذئب، تفضیل لبس سلسلة علیها السید المسیح أو الصلیب مرسوما، إذا لم یکن اسم الذئب إسلامیّا. تمتلک عناصر (الذئب المنفرد) خصائص فردیة، حیث تعیش فی ملابس مدنیة. قد یکون المهاجم قریبا أو صدیقا ویتجنب الفرد الاتصال الخارجی بالتنظیم الأم. وهذا یزید من صعوبة قیام أجهزة الأمن والاستخبارات بتحدید واعتقال مهاجم الذئب.
أدخلت الثورة الرقمیة مزیدا من التعقید والتشابک على تتبع العملیات الإرهابیة ومرتکبیها، إذ أنها تشکل عالمًا افتراضیّا یصعب ملاحقة الإرهابیین فیها، کما أنه یمثل مناخا خصبا للشباب فی التزود بالمعلومات عن العملیات المنفردة، فلم یعد (الذئب المنفرد) یذهب إلى ساحات المساجد أو التقرب لأحد شیوخ التطرف والتشدد، وإنما أصبح له شیخ إلکترونی یمکن من خلاله استلهام الأفکار المتطرفة، وتلقی المساعدة فی کیفیة التدریب والتنفیذ، کل ذلک دون الاحتیاج لأحد. یرتکز دور الاستخبارات فی تحجیم توسع (الذئاب المنفردة) وبخاصة داخل الاتحاد الأوروبی، عبر مکافحة التنظیم میدانیاً وإلکترونیا، وتتمثل المواجهة المیدانیة، فی المراقبة والتشدید الأمنی حول العائدین من أرض المیدان فی سوریا والعراق، وتتمثل المکافحة الإلکترونیة حول البرامج السیبرانیة لمواجهة الدعاوى الإرهابیة لتجنید أو صناعة (ذئاب منفردة) عبر شبکات الإنترنت. أیقن الاتحاد الأوروبی بجمیع مجالاته الاستخباراتیة ضرورة مراقبة المحتوى للتنظیمات الإرهابیة على شبکات الإنترنت، والعمل على إزالته. الأمر الذی دعا شرطة الیوروبول لإنشاء وحدة سیبرانیة خاصة بإزالة المحتوى الإرهابی تسمى بـ(وحدة الإحالة). تختلف وکالات الاستخبارات فی آلیة العزل والحمایة من خطر العائدین، ولکن تتشابه جمیعها فی الاحتمالیة الکبرى لتحول العائدین لذئاب تهدد الأمن القومی.
تواجه وکالات الاستخبارات تحدیًّا أمام تهدید الذئب المنفرد، ولم تستطع حتى الآن تقدیم سیاسة فعالة لمواجهته، ما یحتم التنسیق مع أجهزة الدولة الأخرى لا سیما ممن لهم باع طویل فی مکافحة الارهاب کسوریا وایران وغیرهما.
 محمد محمود مرتضى
 


Page Generated in 0.0052 sec