printlogo


رقم الخبر: 129812تاریخ: 1397/7/22 00:00
لوحة درامیة مبتکرة بإیقاع عاطفی
لماذا لا تزال لوحات دوّار الشمس تبهرنا؟

الرسام الهولندی ذو الشهرة العالمیة فان غوخ رسم الکثیر من اللوحات الإبداعیة، إلا أن مزهریاته لها أبحاث وأبعاد أخرى، وبالأخص تلک التی تحمل زهور دوّار الشمس التی کررها مراراً.. فلماذا؟ تلک الزهور التعسة یراها الناس بلا جمال، وبمزاج فرح على الرغم من حزنها، کانت النتیجة ألا یقتنیها أحد، فکیف لهم أن یعلّقوا فی منازلهم زهوراً ذابلة أو قریبة إلى الموت، وکان أصحاب المنازل الأنیقة یحرصون على اقتناء لوحات الزهور والفواکه الیانعة، لکن ما أثار الانتباه أن لوحاته البائسة تلک أثارت الإعجاب بعد وفاته، وخاصة دوّار الشمس التی أعدّها فان جوخ، لیشرح من خلالها نفسیة الکائنات عموماً، ودورة حیاة الإنسان خصوصاً.
نقل المعذَّبُ الشهیر فان غوخ حیاته العاطفیة والروحیة إلى کل أعماله الفنیة التی لم یبع منها سوى واحدة فی حیاته، لیصبح بعد رحیله من أکثر الفنانین ثراءً على عکس حیاته. نأتی الیوم لنبحث من جدید فی مزهریاته المتعددة، تحدیداً تلک التی وضع فیها زهور دوّار الشمس الصُّفر، لنجدها مشرقة فی ألوانها، لکنها لیست بذات الإشراق فی بتلاتها، وأتساءل کیف أوحى لنا بأنها باهتة، فکأنها لوحة درامیة مبتکرة بإیقاع عاطفی ساخر مؤثر وفخم فی الوقت ذاته، فهل کان یُعبّر عن حیاة الآخرین من خلالها، أو ربما حیاته مع الآخرین؟ کیف توحی اللوحة لنا بهذا الإحساس المباشر، وفی کل مرة نُشاهد فیها اللوحة ینتابنا الإحساس نفسه، وفی المشهد ذاته الذی یخلو من المظهر، لنشعر بالیوم والماضی والمستقبل.
تعبیرات لونیة
کان فان غوخ متفانیاً فی تعبیراته اللونیة، یعمل بضمیر ووعی، لکنّ کان کل ذلک الصدق فی رسم النبات والطبیعة متعباً له.. نکتشف من خلال الزوایا اللونیة کم کان متعباً روحیاً، ومندفعاً فی بعض الأحیان، ووحشیاً فی لحظات أخرى، ویتضح کم هو مدمر ذاتیاً، وأعنی الدمار الداخلی الذی وَلّدَ فیه موهبة بهذا الحجم والعمق.
انتقلت عاطفة فان غوخ نحو زهرة دوّار الشمس التی ألهمته اختراع ألوان جدیدة من لون واحد، لیتسنى لنا أن ندرس حالته وهو فی حالة مزاج حادة، لکنه بالمقابل استطاع أن یعبّر عن کل زهرة على حدة، من زهرة مشرقة أو زهرة شابة، عجوز، ذابلة، مریضة، حزینة، أو لا محال میتة، راسماً للمزهریة دورة حیاة الإنسان، من خلال زهورها وشخصیاتها المختلفة ومراحلها الحیاتیة الطبیعیة حتى الموت، لیخلط الألوان ببعضها، ویستخرج تلک الجزئیات النادرة من ذات الصبغة، لتصبح سلسلة من الألوان النابعة من اللون الأصفر ذاته، والسطوع الشمسی نفسه، وبدرجات لا حصر لها.
تجربة عبقریة
هل غرس فینا فان غوخ تلک المشاهد الصفراء العالیة فی دقة مزاجها، لیوضح لنا سنوات عمرنا وما فینا من زهور؟ إذاً، هی تجربة عبقریة، ففی مفعول کل زهرة دوّار شمس تدق على قلوبنا، یرن جرسٌ حاد وحزین بدواخلنا.
لقد اکتمل هذا العام مرور 130 سنة على لوحاته، فقد رسم کل لوحات دوّار الشمس فی عام واحد هو (1888م)، لنتصور کیف کانت هذه اللوحات قبل قرن تدفع من یراها إلى أن یرمی فان غوخ بالجنون، وبأنه لیس سوى طالب لعلم الأمراض العقلیة. لم یستطع ذاک القائل أن یقرأ اللوحات على أنها مزهریات ممتلئة بالشمس، تعیش معنا، نحس بها وإن لم تمتلئ رئاتنا بعبقها، ولم یدرک کم الحیاة الساکنة مشبعة بالطاقة، وکم هذا الأصفر الحیّ مدهش فی کشفه العلاقات بیننا فی حیاة نعیشها معاً، تماماً کما کشف لنا غوخ علاقته فی الحیاة بأناس مضطربین روحیاً، فی زمنه القصیر الذی عاشه، ومع ذلک کان هدفه من رسم مزهریات دوّار الشمس ومن فرشاته المحملة بالتعب تزیین غرفته، لکنه زیّن العالم کله، مانحاً حیاة جدیدة ومشمسة لکل متعب یرى بتلاتها السقیمة.
أسرار اللون
حدث قبل سنوات قلیلة أن استخدم العلماء بعض التقنیات التحلیلیة عن أسرار اللون الأصفر، فکانت أولى خطواتهم فحص عینات من تلک الألوان القدیمة الخاصة بلوحات فان جوخ، ومن خلال ذلک الأصفر المشرق فی لوحاته، اکتشفوا أنه ابتدع درجات ممیزة من الألوان بوضعها تحت الضوء خلال 3 أسابیع، أی ما یقارب 500 ساعة، واستخدم هؤلاء العلماء لمعرفة سر الأشعة البنفسجیة.
وقاموا بفحص ثانٍ لتلک المناطق المظلمة فی لوحاته، لیأخذوا عینة من لوحته «نهر السین» مثالاً، واضعین ذلک الشعاع السینی المشع من ناحیة، مکتشفین أنه ینتج جسیمات ضوئیة عالیة وساطعة ومرکزة للغایة، لیتضح لهم مدى رقة الأصباغ وقوتها وترکیزها فی الوقت ذاته، لتنکشف لنا بعد تقریرهم الصادر رؤیة فان جوخ وهدفه الأسمى، وهو أن یبقى اللون الأصلی أطول فترة ممکنة، فالألوان معرضة للتغیر مع الوقت، وبما أنه شخص قلق بطبیعته الإبداعیة، أخذ بشکل ممیت کما قرأنا من رسائله لأخیه ماثیو، فی تحفیز التألق اللونی من خلال تلک المواد، وبالطبع لم نعرف کل ذلک سوى قبل سنوات قلیلة وعن طریق أشعة «السنکروتونی» المکتشف عام 1946، الذی یفسره «غوغل» الآن، بأنه إشعاع کهرومغناطیسی، وهی ضارة بالصحة إذا تعرض الإنسان لها مدةً طویلة.
اکتشف العلماء فی تلک العینة المأخوذة کیف أن صدور الضوء تلقائی، وکیف أن طبقة لا تُذکر من الورنیش هی المتغیر فقط، ومع ذلک فإن الاختبارات ما زالت قائمة فی ألوان فان جوخ وأسرارها، وبالذات اللون الأصفر بخصوصیته لدیه، وبعد أن اعتاد أن یصبغ به لوحاته، لیخلطها بمادتی الکبریت والباریوم، وهما مادتان تُثبّتان الألوان کی تبقى أقتم على مر الزمن، بهدف خلق لون ممیز، یقلل من العتمة ویزید الإشراق.
3 زهرات بألوان مُبهمة
مزهریة فان غوخ ذات الـ3 زهرات لدوّار الشمس، الثلاثیة التی لا یعرف الکثیرون عنها، بإنائها الأخضر وخلفیتها الفیروزیة وأرضیتها البنیة، والتی تم تسمیتها أخیراً باسم «لوزان»، تم شراؤها من جامع لوحات ثریٍّ غیر معروف، وکل ما قیل عنه إنه تاجر من نیویورک ابتاعها عام 1996، مقابل مبلغ لم یکشف عنه، لتقبع اللوحة لدیه منذ ذلک الوقت حتى یومنا هذا.
إنها اللوحة الأکثر غموضاً من بین مزهریات فان غوخ الخاصة بدوّار الشمس، بل تبدو غارقة فی الغموض، على الرغم من جمالها، ووصف البعض لها بأنها سمفونیة قصیرة ومشرقة بتلک الزهور المنعشة وبحالتها الممتازة، وبتناسق ألوانها المتعمدة کی تبدو فی حالة غموض دائم، مع شعور بالالتباس والغرابة.
سیمفونیة تعزف على الجرأة
مزهریة فان غوخ فی الآنیة الزجاجیة الخضراء و6 زهور جریئة لدوّار الشمس، وتبدو للبعض 5 زهرات بألوانها النادرة بدرجات مختلفة فی اصفرارها مع خلفیة زرقاء قاتمة.. هذه اللوحة، مع الأسف، دمّرتها الغارة الجویة الیابانیة على الولایات المتحدة خلال الحرب العالمیة الثانیة.
وکم کانت خسارة الإنسان کبیرة بفقدانه هذه اللوحة الرائعة على الرغم من تقلیدیتها، لکون أزهارها الصفراء مدعومة باللون الملکی الأزرق، الغنی والمکتمل، وکأنها سیمفونیة تعزف على الجرأة من خلال هذا اللون الصافی والزاهی، ومزاج مهووس بالأصفر، لیبین لنا الطلاء ما کان یعانیه من حب الحیاة وآلام مکتنزة بالحزن، والتمرس فی دهاناته الزیتیة العالیة فی جودتها.

 


Page Generated in 0.0061 sec