printlogo


رقم الخبر: 129654تاریخ: 1397/7/19 00:00
فی منافع مدح ابن سلمان ومخاطر هجائه




نعلم أن مدح سیوف الدولة وکوافیرها لیس حکراً على الکتّاب والشعراء العرب، وأن قدرة المال على شراء الضمائر واستئجار الأقلام لا تقف عند الحدود القومیة، بل لا تصدّها سوى الشِیَم والأخلاق النبیلة عند صنف من الأفراد إلى أیة قومیة انتموا. ومع ذلک فقد دُهش الکثیرون من العرب عندما قرأوا قبل أقل من سنة بقلیل تقریظاً بولی العهد السعودی صدر لیس فی إحدى الصحف العربیة التی تعتمد على صدقة المملکة، بل فی إحدى أشهر الصحف الأمریکیة، إن لم تکن أشهرها على الإطلاق، فی بلد یفتخر باستقلال صحافته وبدورها فی الرقابة النقدیة على الحکم إلى حد تصنیفها سلطةً رابعة بعد السلطات التنفیذیة والتشریعیة والقضائیة.
وللإنصاف ینبغی القول إن الدلائل تشیر إلى أن مسؤولیة التقریظ وقعت على صاحبه لا غیر، وهو الصحافی الشهیر توماس فریدمان. فقد تنصّلت منه بصورة غیر مباشرة صحیفة «نیویورک تایمز»، وهی المعنیة هنا، وذلک بنشرها مقالات نقدیة إزاء المملکة وحاکمها الشاب المستبدّ بعد نشر التقریظ على الفور، وکأنها أرادت إبعاد الشبهات عنها. أما عن فریدمان نفسه فحدّث ولا حرج بعد أن أطلّ علینا بتلک المقالة الطویلة المعنونة «الربیع العربی فی العربیة السعودیة، وأخیراً» بتاریخ 23 تشرین الثانی/نوفمبر من العام الماضی.
والحال أن فریدمان فی تقلّباته حیال محمد بن سلمان إنّما یذکّرنا بشعراء العصر العبّاسی وانتقالهم من التقریظ إلى الهجاء، مع فارق هو أن لیس فی تاریخنا من الکتّاب من تقلّب بمثل تقلّبات فریدمان إزاء ابن سلمان. والسرّ فی ذلک لیس شهامة کتّابنا، بل صعوبة ترمیم الجسور بعد قطعها عندنا إذ أن حقد الحکام العرب على من یهجونهم من الکتّاب العرب لا تسامح فیه، بل غالباً ما یؤدّی إلى حرمان الهاجی من حریته، إن لم یُحرم من العیش کما یسود الاعتقاد بأنه حلّ بمواطن المملکة السعودیة، الصحافی جمال خاشقجی.
فلنستعرض بعض تقلّبات فریدمان. فی الثانی من أیلول/سبتمبر 2015، کتب مقالاً بعنوان «العربیة السعودیة، صدیقتنا الإسلامیة المتطرّفة» مفاده أن أکبر مروّجی الإسلام المتطرّف لیس الحکم الإیرانی کما زعم الذین کانوا یدعون إلى نقض الاتفاق النووی المبرم مع طهران، بل المملکة السعودیة. وبعد ذلک المقال بأقل من ثلاثة شهور، فاجأنا فریدمان بمقال نشره تحت عنوان «رسالة من العربیة السعودیة» (23 تشرین الثانی/نوفمبر 2015). فیه بشّرنا فریدمان بأن شباب المملکة وجد أخیراً من یحوّل حیویّته إلى إصلاح فی شخص «ولی ولی العهد» محمد بن سلمان یؤازره فی هذه المهمة ولی العهد «المعتدل» محمد بن نایف. وقد روى فریدمان کیف أمضى سهرة مع ابن سلمان وقد «أنهکه» هذا الأخیر بحیویّته ونوایاه الإصلاحیة. أما عن سبب زیارة فریدمان للمملکة، فأخبرنا هو نفسه أنه أتاها بدعوة من «مرکز الملک سلمان للشباب» الذی وصفه بالمرکز التربوی الرائع، وذلک لیلقی محاضرة عن أثر التکنولوجیا على العمل. ولم یبح فریدمان بمبلغ المکافأة التی حصل علیها لقاء مجیئه من نیویورک وإلقاء محاضرته. وبعد ما یقارب السنتین عاد فریدمان إلى الحدیث عن بن سلمان، وکان هذا الأخیر قد غدا ولیاً للعهد بعد إزاحة ابن عمّه. تمّ ذلک فی مقال بعنوان «حذار: أمیر سعودی مستعجل» (7 تشرین الثانی/نوفمبر 2017)، حلّت فیه الریبة النقدیة محلّ التقریظ، وکان فریدمان یعلّق على المدیح الذی کاله على بن سلمان الرئیس الأمریکی الجدید، دونالد ترامب، خصم صحیفة فریدمان اللدود.
قدرة المال على شراء الضمائر واستئجار الأقلام لا تقف عند الحدود القومیة.
آنذاک تبدّلت لهجة فریدمان تبدّلاً حادّاً. وإذ حرص على ألّا یناقض نفسه بصورة تامة، أعاد التأکید على ثقته فی صدق نیّة ابن سلمان الإصلاحیة، لکنّها ثقة جاءت مصحوبة هذه المرّة بدرجة عالیة من التحذیر، بل الهجاء الصریح. وقد سخر فریدمان من ثناء ترامب فی إحدى تغریداته على ادّعاء بن سلمان محاربة الفساد، معلّقاً: (لم أستطع سوى أن أضحک عندما قرأت هذه التغریدة. فمتى یسمع المرء أن أمراء سعودیین جرى اعتقالهم بسبب الفساد… یدرک أن الأمر مغایرٌ. ومن الواضح أن ترامب فاتته فی العام الماضی قصّة شراء محمد بن سلمان بنتیجة نزوة مفاجئة لأحد الیخوت، وهو یمضی عطلة فی جنوب فرنسا: کفى أن یعجبه الیخت عندما شاهده راسیاً فی المرفأ حتى اشتراه من صاحبه الروسی بمبلغ 550 ملیون دولار. فهل أتى هذا المال من حصالة نقوده، أم جناه من کشک بیع اللیموناضة فی الریاض؟)
فاق هذا التهکّم المصحوب باتّهام صریح لابن سلمان بالفساد کل ما جاء من نقد على لسان جمال خاشقجی أو بقلمه. أما الفرق فهو أن هذا الأخیر من مواطنی المملکة بینما فریدمان من مواطنی الإمبراطوریة الأمریکیة، والفرق بین مصیری الرجلین لبلیغ. فما مضى أسبوعان على الهجاء حتى جاءنا فریدمان بمقالته عن «الربیع العربی» فی المملکة التی سبق ذکرها، یخبرنا أنه زار السعودیة من جدید لإجراء مقابلة مع ولی العهد! وقد روى کیف أمضى سهرة أخرى مع بن سلمان، بحضور شقیق هذا الأخیر، سفیر المملکة فی واشنطن، وعدد من الوزراء. ومرّة أخرى تبدّلت لهجة فریدمان، فجاء مقاله یمدح حملة بن سلمان المزعومة على الفساد، ولو حرص على إبداء بعض التساؤل والإعراب عن الأمل بدل التأکید والجزم المتحمّس حیال مصیر مشاریع ولی العهد.
وبقیت لهجة فریدمان إیجابیة فی الأشهر اللاحقة، فکتب مقالاً فی أوائل العام الجاری (9 کانون الثانی/ینایر) یؤکد فیه على أن بن سلمان «حاکمٌ حداثی یشرف على مجتمع تقلیدی بصورة غالبة» بما یفسّر المصاعب التی یواجهها. لکن ما لبث أن تلا ذلک مقالٌ آخر بعنوان «مذکّرة إلى الرئیس عن العربیة السعودیة» (6 آذار/مارس) قبیل زیارة بن سلمان لواشنطن، استعاد لهجة الریبة والتحذیر إزاء ولی العهد السعودی. وقد تصاعدت تلک اللهجة وصولاً إلى مقال صدر قبل شهر ونیف (4 أیلول/سبتمبر) تضمّن من جدید نقداً حاداً لابن سلمان. وفی مقاله الصادر قبل یومین، باح لنا فریدمان بسرّ هو أن مُلهم نقده کان صدیقه جمال خاشقجی. وبالطبع، یصعب الظنّ فی أن الحکم السعودی کان یجهل هذا (السرّ)…
جلبیر الأشقر



 


Page Generated in 0.0052 sec