printlogo


رقم الخبر: 128931تاریخ: 1397/7/10 00:00
تحالف أم تعمیة؟





ظهر، ولأول مرة منذ عقود، تجرؤ دول العالم على قول کلمتها بکلّ وضوح، وبغض النظر عمّا یریده الأمیرکیون. ومن هذه الزاویة بالذات فإنّ تضخیم أهمیّة «تحالف» کان قائماً بشکل غیر رسمیّ منذ أوائل ثمانینات القرن الماضی هو محاولة للالتفاف على فشل ذریع وفضیحة کبرى، مُنیت بها الولایات المتحدة تحت أنظار العالم برمته.
تعمّد المسؤولون فی الولایات المتحدة والکیان الصهیونی أن یسلّطوا أضواء مبهرة على ما أسموه «التحالف» الذی فرضوه على الدول العربیّة التابعة لهم، بهدف استنزافها مالیاً وتوریطها فی حروب معادیة لأمّتهم، وذلک على هامش لقاءات الجمعیة العامة للأمم المتحدة تحت عناوین مختلفة تارةً «متحدون ضد إیران» وتارةً «حلف الناتو العربیّ».
وتعمّد وزیر خارجیة الولایات المتحدة، بومبیو، أن یترأس اجتماعاً علنیّاً لهذا الحلف وأن تظهر أنباؤه على الشاشات والصحف العالمیّة، وکأنّ حدثاً جدیداً وغریباً قد وقع. ولکنّ هذا «التحالف» موجود عملیّاً، ولو بصمت، منذ سنوات وسنوات، ومن المعروف جداً للجمیع أنّ علاقات اقتصادیة وغیر اقتصادیة قائمة بین السعودیة وعدة دول خلیجیة والکیان الصهیونی، وتمّ تسریب لقاءات وصور على مدى سنوات عن هذه الاجتماعات واللقاءات ولاسیما لتمویل الحروب على العرب. أمّا أن یکونوا متحدین ضد إیران، فما هو الجدید فی الموضوع أیضاً، أولم یتحالف کلّ هؤلاء مع صدام، ویمدّوه بالمال والسلاح فی حربه العبثیة التی شنّها ضدّ إیران والتی دامت ثمانی سنوات، قتل فیها ملیون عراقی؟، أولم یأملوا فی ذلک الحین بالاحتواء المزدوج لإیران والعراق؟ ولکنّ الذی حدث هو أنّ إیران أصبحت بعد هذه الحرب قوّة إقلیمیة لا یستهان بها، بینما تمّ تدمیر ما تبقى من العراق على أیدی هؤلاء الأعراب الذین ادعوا کذباً أنّهم حلفاء صدام فی هذه الحرب.
بالنسبة للولایات المتحدة فإنّ الهدف من هذا «التحالف» هو إظهار الکیان الصهیونی، وکأنّه الطرف المهیمن فی منطقة الشرق الأوسط، وقوة الاحتلال العنصریة والغاصبة المقبولة عربیّاً، بموافقة السعودیة ودول الخلیج الفارسی التی تبیّن أنّها أصبحت تابعة للقوة الصهیونیة المهیّمنة، وأیضاً الهدف من هذه العلنیة استنزاف کلّ ما تبقى من أموال نفطیّة لدى دول الخلیج الفارسی والسعودیة، وإیصالها إلى النقطة التی أوصلوا إلیها العراق من خلال حرب صدام على جیرانه، أی إلى الخراب والفشل والتبعیّة.
هذا التوقیت أیضاً کان مناسباً ومفیداً للولایات المتحدة وعلى صعدٍ عدیدة وقد حقّق لها أهدافاً شتى. فبعد جلسة مجلس الأمن والتی حرّض فیها الرئیس ترامب على إیران بهدف استنزاف المزید من أموال السعودیة والإمارات، وحاول عبثاً أن یدفع الأوربیین للتنصّل من الاتفاق النووی الإیرانی، کان الزعیمان الغائبان، بوتین وشی جین بنغ، أقوى حضوراً من ترامب نفسه فی الجلسة ذاتها، حیث انتهت الجلسة بعد مقولات ترامب التی أثارت الضحک، انتهت بإعلان روسیا والصین وفرنسا وبریطانیا أنّها ملتزمة بالاتفاق النووی مع إیران، وانتهت الجلسة بشعور عام لدى کلّ الأطراف الدولیة أنّ الولایات المتحدة التی هدفت إلى عزل إیران فی هذا المحفل الدولیّ قد خرجت فعلاً معزولة ووحیدة وذهبت کلّ العبارات الجوفاء ضد إیران أدراج الریاح الأوروبیّة، بینما أثبتت هذه الدورة للجمعیة العامة للأمم المتحدة انکسار هیبة الولایات المتحدة أمام العالم، إلّا طبعاً السعودیة ودول الخلیج الفارسی. وظهر، ولأول مرة منذ عقود، تجرؤ دول العالم على قول کلمتها بکلّ وضوح، وبغض النظر عمّا یریده الأمیرکیون. ومن هذه الزاویة بالذات فإنّ تضخیم أهمیّة «تحالف» کان قائماً بشکل غیر رسمیّ منذ أوائل ثمانینات القرن الماضی هو محاولة للالتفاف على فشل ذریع وفضیحة کبرى، مُنیت بها الولایات المتحدة تحت أنظار العالم برمته. ولذلک فإنّ هدف تضخیم أهمیة «تحالف» لا جدید فیه أصلاً هو التعمیة على فشل ذریع یعتبر مؤشراً تاریخیاً هاماً ومفصلیاً فی الحیاة الدولیة سیتم الاستشهاد به على أنّه نهایة نظام أرست قواعده الحرب العالمیة الثانیة وبدایة نظام دولی جدید سقاه شهداء الجیش العربیّ السوریّ وحلفاؤه بدمائهم الطاهرة الزکیة، ونقلته آلام جرحاهم إلى المستوى الإقلیمی والعالمی بحیث أصبح «ما قامت به سوریا فی الدفاع عن السیادة والکرامة» کما قال وزیر الخارجیة الصینی فی المحفل الدولی ذاته، أصبح درساً لشعوب العالم. والتعمیة أیضاً موصولة لمجریات مجلس حقوق الإنسان فی نیویورک والذی انسحبت منه الولایات المتحدة وسجلت السعودیة والإمارات رغم أموال الرشوة الحرام فشلاً ذریعاً فی إدانة حزب الله فی هذا المجلس، وهکذا فقد نجحت بعثة لبنان فی استبعاد حزب الله کطرف ینتهک حقوق الإنسان، الأمر الذی یعتبر مؤشراً أکیداً على تراجع واضح لدور السعودیة والإمارات فی هذا المجلس وطبعاً غیاب الولایات المتحدة.
کما تشکّل فی هذا المجلس فریق للتحقیق فی الجرائم المرتکبة بحقّ الشعب الیمنی من قبل من أسموا أنفسهم «قوات التحالف» وهم الکیان الصهیونی والولایات المتحدة والسعودیة والإمارات أیّ الأطراف نفسها التی أعلنت أنّها «متحدة ضد إیران». فإذا کانت هذه الأطراف متحدة وتنفق المال والسلاح منذ أربع سنوات ونیّف ضد الیمن ولم تتمکن من کسر إرادة الشعب الیمنی الأبیّ الذی یقاتل بإرادته وباختلال فظیع لتوازن القوى بینه وبین مجرمی الحرب هؤلاء، فماذا نتوقع أن یکون مصیر هذا «التحالف» فی اتحاده ضد إیران وفی دعمه الکیان الصهیونی الغاشم؟، والتعمیة الأخیرة والأهم هدفت إلى عدم تسلیط الضوء على انتصار سوریا على کلّ قوى العدوان والغطرسة والتی شنّت علیها حرباً مدمرة منذ سبع سنوات ونیّف، وها هی سوریا الیوم صامدة کصخرة الشرق التی تکسّرت علیها أنصال الغزاة وخرجت أقوى فی المیزان العسکری مما کانت علیه من قبل. وبین هذا وذاک تعمیة على مصیر الاحتلال الأمیرکی للعراق، والذی، وبعد خمس عشرة سنة من احتلالهم للعراق، یضطر الأمیرکیون إلى سحب دبلوماسییهم من البصرة وبغداد خوفاً على حیاتهم أو تهیئة لأمر یضمرونه ولکن وفی کلّ الأحوال لن تستقرّ الأمور لصالحهم فی العراق ولا فی سوریا ولا فی الیمن ولا فی الوطن العربیّ ولا فی العالم لأنّ النظام العالمی الذی أرست أسسه الحرب العالمیة الثانیة بدأ فعلاً بالانزیاح لیحلّ محله نظام تشکّله وتصنعه القوى التی تؤمن بسیادة واستقلال وحریة الدول وتقف قولاً وفعلاً ضد الاحتلال والهیمنة والعنصریة والاستعمار الصهیونی للأرض العربیّة.
بثینة شعبان

 


Page Generated in 0.0055 sec