printlogo


رقم الخبر: 128927تاریخ: 1397/7/10 00:00
أثر العقوبات .. الاستفادة من تناقضات الغرب

ثمّة رابط بین عودة الدول النامیة للتبادل بالعملات الوطنیة بدلاً من الدولار الأمیرکی والخطوات التی ستقدم علیها أوروبا تفادیاً لتأثیر العقوبات الأمیرکیة على إیران، فی شرکاتها العاملة هناک. الآلیة التی اقترحتها مفوضة السیاسة الخارجیة والأمن فی الاتحاد الأوروبی فیدیریکا موغیرینی، لإنشاء نظام للتبادل مع طهران، لا تجعل منها بالضرورة امتداداً لخطوات الدول النامیة، إذ بخلاف أوروبا، ثمّة استراتیجیة شاملة هناک للردّ على نظام العقوبات الأمیرکی بنظام مضادّ، أو بخطوات تقلِّل من الاعتماد على الدولار کعملة أساس. الاتحاد الأوروبی غیر معنیّ بخوض مواجهة تجاریة شاملة ومفتوحة مع الولایات المتحدة، وینحصر اهتمامه فی الحفاظ على مصالح شرکاته التی استفادت من رفع العقوبات عن إیران بموجب الاتفاق النووی للاستحواذ على حصّة کبیرة من الاستثمارات فی السوق الإیرانیة. النزاعات الأخرى مع الإدارة الأمیرکیة، سواء فی التجارة أو فی الأمن، لا ترقى إلى حجم التهدید الذی تمثّله العقوبات على المصالح الأوروبیة، حیث یبدو أن الشراکة مع إیران على خلفیة الاتفاق النووی تمثّل مدخلاً لاستعادة جزء من التراکم الذی فقدته أوروبا لمصلحة الصین والولایات المتحدة.
التقاطُع مع الدول النامیة الاستماتة فی الدفاع عن هذه المصالح هی التی تضع الاتحاد الأوروبی فی مواجهة جزئیة مع الولایات المتحدة، وهی التی تقرِّبه أحیاناً من الاستراتیجیة التی تتّبعها الدول النامیة لمجابهة سیاسة العقوبات الخاصّة بترامب. لیس ثمة تماثل فی حجم الضرر بین الطرفین، حیث تحتفظ أوروبا بخلاف الدول النامیة بموقع الحلیف للولایات المتحدة، وهذا یسمح لها بتجنُّب الآثار البعیدة المدى لسیاسة العقوبات، وبالتالی لا تُضطرّ إلى البحث باستمرار عن بدائل کما تفعل معظم الدول التی تتعرّض لعقوبات من واشنطن. بهذا المعنى، هی لیست فی موقع الحکومات التی تُمنع من الوصول إلى أسواق المال لتأمین احتیاجاتها الأساسیة، ولکنها من موقع الشراکة فی الدفاع عن الاتفاق النووی تستطیع عبر الامتیازات المعطاة لها رأسمالیاً توفیر أدوات تساعد الدول النامیة على الدفع باستراتیجیتها البدیلة قدماً. الاقتراح الخاصّ بإنشاء نظام للمقایضة مع إیران لا یحافظ فقط على بنیة الاتفاق النووی بعد انسحاب الولایات المتحدة منه أو على مصالح الشرکات الأوروبیة فحسب، بل یدعم أیضاً سیاسة البدائل التی تقترحها الدول الناشئة عبر الحدّ من تأثیر العقوبات، وبالتالی عدم الرکون إلى الدولار کمرجعیة فی التبادلات النفطیة.
تحدّیات قیادة الصین للتنمیة
اضعاف العملة الأمیرکیة فی سوق ناشئة کالسوق الإیرانیة یسمح بصعود عملات أخرى بدلاً منها، ویشجّع مزیداً من الدول الخاضعة لعقوبات على الانخراط، لیس بالضرورة فی نظم مقایضة مثل «النموذج الإیرانی»، ولکن على الأقلّ فی أطر مالیة لها قدرة على تجاوز نظام العقوبات الأمیرکی والحدّ من تأثیره بسیاسات التراکم فی الدول النامیة. الدور الصینی هنا أساسی، لأنّ الصین هی الدولة الناشئة الوحیدة التی لا تستطیع الولایات المتحدة الحدّ من وصولها إلى الأسواق الدولیة، لیس فقط بسبب حجم اقتصادها الکبیر أو قدرتها على إغراق العالم بالمنتجات والبضائع، بل بسبب ارتباط الاقتصاد الأمیرکی بها عبر أدوات مالیة مثل أذون الخزانة وسواها. لا تملک أیّ دول ناشئة أخرى هذا القدر من التأثیر فی عملیة التراکم داخل الولایات المتحدة، ولذلک تعتبر الدولة الوحیدة التی تعجز أمیرکا عن تقییدها بنظام العقوبات. ویبدو أنّ ترامب قد وجد حلاً لهذه المعضلة عبر اعتماد سیاسة الحرب التجاریة معها، على اعتبار أنه یستحیل منعها من الوصول إلى أسواق المال بسبب حجم التداخل بین اقتصادها والاقتصادات الرأسمالیة الأخرى. هذه المیزة استفادت منها الصین فی مسعاها لتنویع مسارات التنمیة، فأعادت بفضل التراکم الکبیر الذی حقّقته على الصعید الاقتصادی إحیاء مشروع «طریق الحریر» بعد توسیعه لیضمّ تحت المسمّى الجدید: «حزام واحد - طریق واحد» کتلاً آسیویة جدیدة، ولینشئ لهذا الغرض بنىً تحتیة کبیرة تکون بمثابة تأهیل للطریق القدیم الذی کان یربط تجاریاً بین آسیا وأوروبا. المشروع بدأ قبل تصاعُد سیاسة العقوبات ومجیء إدارة ترامب بأجندة لخوض حروب تجاریة على جبهات متعدّدة، ولذلک تبدو فلسفته الاقتصادیة قدیمة بعض الشیء نظراً لافتقادها إلى نظریة واضحة فی مجابهة الحمائیة التجاریة، واعتمادها المطلق فی المقابل على التحوّلات التی أحدثتها العولمة فی بنیة النظام الاقتصادی الدولی. لکن یبدو أن الصین قد بدأت تدرک - بسبب تصاعد النزعة الحمائیة وانحسار مدّ العولمة - حجم التحدّیات التی تواجهها مشاریع کهذه، ومدى اتساقها من عدمه مع الأطر الإقلیمیة الجدیدة التی یتطلّبها خوض مواجهة کبیرة ومفتوحة مع سیاسة العقوبات التی یقودها ترامب.
خاتمة
الانخراط الکبیر الذی قادته بکین سابقاً فی أطر العولمة لم یترافق مع اقتراحات للحدّ من الاعتماد علیها حین تتغیّر سیاسة أقطاب رأسمالیین آخرین، ویبدأ التفکیر على صعید العالم فی إیجاد أطر تکون بدیلة منها أو تحدّ من الاعتماد علیها کوجهة وحیدة للتراکم. التوجُّه إلى أوروبا بدلاً من الولایات المتحدة یبدو خیاراً مناسباً، لکنه خیار جزئی، لأنّ الخلاف بین الطرفین حول الاتفاق النووی لا یؤثّر بالقدر نفسه بشراکتهما فی ملفّات أخرى أساسیة. وکون التناقض بینهما محصوراً فی الملفّات التجاریة، یعنی أنه خلاف یمکن احتواؤه على قاعدة التنافس بین أطراف شریکة تجاریاً فی عملیة التراکم، ومعنیة جیوسیاسیاً بترکُّزها غرباً، مع ما یتطلّبه ذلک من توسیع رقعة الانتشار العسکری الغربی شرقاً وجنوباً. وهذا ما یفسّر حالیاً زیادة حدّة التوتر العسکری فی بحر الصین الجنوبی، بالتزامن مع تصاعد الحرب التجاریة بین الصین والولایات المتحدة، حیث تبدو المواجهة مرشّحة للتصعید، وحیث یتراجع الاستقطاب داخل الغرب حول النزاعات التجاریة بین أقطابه لمصلحة وحدة عضویة فی المصالح الاستراتیجیة ضدّ بکین ودول الجنوب الخاضعة لعقوبات عموماً.
ورد کاسوحة

 


Page Generated in 0.0052 sec