printlogo


رقم الخبر: 128926تاریخ: 1397/7/10 00:00
لصوصیة وابتزاز فی أقذر صورهما



منذ مجیء الإدارة الأمیرکیة الجمهوریة بقیادة الرئیس دونالد ترامب لم تتوقف عن تقدیم الصورة المغایرة والمواربة التی سلکتها السیاسة الأمیرکیة فی عهد الإدارات الدیمقراطیة والجمهوریة السابقة، ولم یقف الأمر عند حد الإصرار على إخراج الدبلوماسیة الأمیرکیة عن سیاقها البروتوکولی، بل آخذة فی الذهاب بعیدًا، سواء بمعاداة دول العالم ومن ضمنها الدول الکبرى التی ترى أنها منافس اقتصادی وعسکری وسیاسی للولایات المتحدة، أو بالمجاهرة المطلقة وغیر المسبوقة بالمواقف الأمیرکیة تجاه کیان الاحتلال الإسرائیلی وضد القضیة الفلسطینیة، والعمل معًا على تصفیة هذه القضیة.
هذا المستجد الأمیرکی جاء لیعلن الطلاق البائن ـ کما یبدو ـ للنهج الأوبامی ـ رغم عدم نزاهته ـ المهادن فی الظاهر، وما سبقه، تحت شعار “أمیرکا أولًا” الذی أعلنه الرئیس ترامب أثناء حملته الانتخابیة، لکن من الواضح أن هذا الشعار لیس مقتصرًا على الولایات المتحدة ذاتها، وإنما یتعدى لیشمل کیان الاحتلال الإسرائیلی بحکم الزواج الکاثولیکی القائم بینهما، حیث مدار السیاسة الأمیرکیة الراهنة یمضی باتجاه خدمة المصالح الوحیدة فقط للولایات المتحدة وللکیان الإسرائیلی المحتل، فسلب قدرات دول المنطقة وابتزازها، وتهدیدها ودعم الجماعات الرادیکالیة والمتطرفة والإرهابیة فیها یحقق مصالح الطرفین (أمیرکا وکیان الاحتلال الإسرائیلی أولًا) وکذلک الحال مع معاداة باقی دول العالم وعلى رأسها الصین وروسیا الاتحادیة والجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة.
لذلک، لم تخرج العربدة الإسرائیلیة الیوم عن هذا السیاق، أی سیاق (کیان الاحتلال الإسرائیلی أولًا) بتصفیة القضیة الفلسطینیة، وشل قدرات دول المنطقة، وتفکیکها وتقسیمها وتدمیر مقدراتها، حیث تمضی دبلوماسیة التآمر والعداء، وآلة العدوان فی تقطیع الجسد العربی تزامنًا مع التنفیذ المتدحرج لما یسمى “صفقة القرن”.
یرى کل من الصهیو ـ أمیرکی أن مشروعاتهما الاستعماریة والاحتلالیة فی المنطقة تسیر وفق المخطط بعنوانها الکبیر “الربیع العربی ودعم ثوراته” القائد إلى الإنجاز المراد للهدف الأکبر وهو التخلص النهائی من ملف الصراع العربی ـ الإسرائیلی، وتبعاته المرهقة فی نظر کل منهما.
اللافت أن الصهیو ـ أمیرکی نجحا معًا فی صناعة أکثر من عدو دفعة واحدة (الإرهاب التکفیری والجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة) لإشغال دول المنطقة، وإنهاکها اقتصادیًّا ومالیًّا حتى لا تقوم لها قائمة. ولیس مبالغة، فهما یحصدان الیوم إنتاج صناعتهما، عبر الزعم بمحاربتهما الإرهاب التکفیری فی سوریا والعراق ولیبیا والیمن وغیرها، وحمایة العربان من الخطر الإیرانی. واللافت أکثر هو أنه مطلوب من العربان أن یوقِّعوا على صکوک بیضاء یتعهدون فیها بفتح خزائن أموال شعوبهم، ویتکفلوا بضخ الأموال لتأمین الابتزاز الصهیو ـ أمیرکی والتغطیة على النهب المکشوف، وفی المقابل ممنوع علیهم أن یعملوا على رفع أسعار النفط، وتحسین دخلهم، وإلا فالعصا الغلیظة تهتز توشک أن تقع على رؤوسهم؛ إنه ابتزاز وأی ابتزاز؟ ألیس الهدف من کل ذلک هو إرجاع دول المنطقة إلى العصور الوسطى، وتحویل مظاهر التنمیة إلى أطلال، وإعادة العرب إلى عصر الخیمة والناقة والشاة والخروف؟ ومن المستفید من کل ذلک؟ ألیس أعداء العرب والمنطقة وحدهم؟ وحین تصبح لقمة العیش لشعوب المنطقة بید الصهیو ـ أمیرکی، هل سیکون هناک کرامة وأرض وعرض؟ ألیس کله سیصبح رهینة وثمنه الحصول على فتات موائد الصهیو ـ أمیرکی؟
لا نخاطب الضمائر والعقول، ولا نحفز الوعی العربی لیستیقظ ویرتقی إلى مستوى الحدث، ولا نکتب عن ذلک، وعن کل ما یشغل همومنا ومصیرنا وقضایانا من وحی الخیال، أملًا فی تحقیق أحلامنا، وما یعتمل داخل أنفسنا من أوجاع وآلام، وطموحات وآمال، وإنما ما نکتبه یستند إلى واقع مریر ومروع، وللأسف الشدید نصوغ فیه مفردات هلاکنا ودمار مستقبلنا، وقد سلمنا أعداءنا ـ طائعین ومکرهین ـ الرسن ووضعنا أعناقنا على مقاصلهم الممدودة بطول المنطقة وعرضها.
إن ما تابعناه على منبر الجمعیة العامة للأمم المتحدة لمثیر للأسى، وامتهان للکرامة واغتصاب للحقوق، من قبل قادة لم یتورعوا عن ممارسة تسولهم ولصوصیتهم وابتزازهم، مُشْهِرِین سیوفهم، مبدین استعدادهم لحز رقاب عرب إن خرجوا عن طوعهم، وتمردوا على ما یأمره به أسیادهم. فقد بدت النزعة الشعبویة فی أقبح صورها، وأقذر کلماتها، تعکس الإرادة الأکیدة لتحویل العالم إلى إقطاعیات، تهیمن علیه اللصوصیة والابتزاز، والخنوع والارتزاق والاستعباد، وتعمل على طی ما یحاول العقلاء والرشداء فرشه من قیم تعددیة ومساواة وعلاقات مرتکزة على مبادئ الاحترام وتبادل المصالح والمنافع، وإعطاء الشرعیة الدولیة مکانتها، واحترام القانون الدولی، لذلک لم تکن قهقهات السخریة التی ضجت بها قبة الجمعیة العامة للأمم المتحدة إلا تعبیرًا عن وجع وأسى، واستحضارًا لمستقبل عالمی یقوده لصوص وقطاع طرق نحو الانسلاخ من جمیع قیمه، إیذانًا بغروب شمس ما أعلنه سلف هؤلاء اللصوص وقطاع الطرق کـ”النظام العالمی الجدید والعولمة”.
لم یخرج عن السیاق القرار الأمیرکی بسحب منظومات صواریخ الباتریوت من بعض دول الخلیج الفارسی وربما دول عربیة أخرى أیضًا، فالقرار هو وجه آخر لوجوه الابتزاز؛ أی على هذه الدول أن تدفع بسخاء أکثر وتعقد صفقات تسلح أکبر إن أرادت حمایتها، ومن بین ذلک ربما تغییر المنظومة الصاروخیة (الباتریوت) والإتیان بمنظومة (ثاد) الأکثر تطورًا، وهو ما یستلزم مضاعفة الأجرة للحامی الأمیرکی. لکن السؤال الذی یطرح نفسه هنا: هل هذه الدول لها أعداء حقیقیون؟ ومن هم هؤلاء الأعداء غیر کیان الاحتلال الإسرائیلی؟ ثم ألا یعنی هذا أن هذه الدول بهکذا ابتزاز یصورها الحامی الأمیرکی بأنها دول ضعیفة غیر قادرة على الدفاع عن نفسها، بل حتى غیر قادرة على منع ذبابة من أن تحط على وجهها؟ أولیس هذا التصویر الابتزازی فیه إهانة لهذه الدول وشعوبها وقواتها؟ ألا یدرک هؤلاء الذین وقع علیهم الابتزاز أن السلاح الأمیرکی أصبح فی حالة انکشاف فاعلیة وقیمة عملیة أمام السلاح الروسی الأکثر فاعلیة وتطورًا؟ ألا یعی هؤلاء أن العقوبات الاقتصادیة الأمیرکیة على الدول التی اقتنعت بحقیقة السلاح الروسی وعزمت على اقتنائه هی (أی العقوبات) بقدر ما تکشف تواضع الفاعلیة للسلاح الأمیرکی (على الأقل المباع لهذه الدول) أمام السلاح الروسی، بقدر ما تؤکد أن الأمیرکی لیس أمامه وسیلة سوى العقوبات الاقتصادیة لمنع تدهور صورة السلاح الأمیرکی فی السوق العالمیة، وبالتالی محاولة احتکارها بهذا النوع من الابتزاز والسطو؟ ثم ألا یعلم هؤلاء الذین وقع علیهم الابتزاز أن من الاستحالة أن یبیعهم الأمیرکی سلاحًا فعالًا وهو کل همه وشغله الشاغل تأمین حلیفه الاستراتیجی کیان الاحتلال الإسرائیلی، وضمان تفوقه العسکری، فکل ما یفتعله من فتن وحروب، ویصطنعه من أعداء هو من أجل هدفین تنشیط سوق السلاح الأمیرکی، وخدمة أمن کیان الاحتلال الإسرائیلی؟
خمیس التوبی


 


Page Generated in 0.0054 sec