printlogo


رقم الخبر: 127915تاریخ: 1397/6/26 00:00
الدور المفقود للقوى الناعمة العربیة




لم تعد القوى الناعمة العربیة تحظى بنفس الاهتمام الذی کانت علیه فی الماضی القریب، لیس لأن عناصرها الذاتیة أصبحت مفقودة، وإنما لأن دورها لم یعد ممکنا فی ظل أوضاع الانقسام والفرقة والاحتراب بالکلمة والسلاح معا، فکلما کانت الغلبة فی المشهد العام لمثل هذه الأوضاع، تراجعت فرص الاستقرار التی هی البیئة المناسبة حقا لازدهار القوى الناعمة وقدرتها على التأثیر فی حرکة التطور الاجتماعی والثقافی، بل والسیاسی أیضا.
ومن الصعب التسرع فی إطلاق الأحکام بأن المنطقة العربیة صاحبة الأربعمائة ملیون نسمة وذات الإمکانیات المادیة الضخمة لا تنتج إبداعا مما یندرج تحت تعبیر القوى الناعمة سواء من حیث الفنون المختلفة والأعمال الفکریة والأدبیة الراقیة والملهمة أو حتى من حیث القدرات العلمیة التی تصنع المعرفة وتسخرها لمزید من التنمیة والتطور المادی أسوة بما یجرى فی مناطق العالم الأخرى، ومعلوم الیوم أن المعرفة أصبحت من أدوات الإنتاج الرئیسیة لأنها تقدم حلولا وابتکارات فی مجالات التطور المادی بوجه عام. ومن الصعب أیضا الادعاء بأنه قد جرى عمدا تغییب القوى الناعمة من جانب الأنظمة الحاکمة، حیث لا یمکن تعقل أن هذه الأنظمة تعمل على إهدار الطاقة الإیجابیة التی تفرزها هذه القوى والتی من شأنها بالطبع توفیر سبل النجاح لها.
ولا یستطیع أی مراقب منصف تجاهل وجود فعالیات مختلفة لتدعیم القوى الناعمة خصوصا من الدول إلى تتوافر لدیها الإمکانیات المادیة لذلک سواء تم ذلک من خلال مؤتمرات ومعارض ومهرجانات ومسابقات وتکریم للمبدعین فی مجالات الفکر والفنون المختلفة، أو من خلال الاهتمام الشدید بإقامة المتاحف والمکتبات الکبرى ورعایة التراث.
ومع ذلک فإن أحدا لا یستطیع أن یتجاهل الحقیقة بأن الکلمة والفعل لم تعد لهذه القوى الناعمة، وإنما اختطف کلیهما أمراء الحروب والفتن تارة، والسیاسیون الانتهازیون تارة أخرى، والذین یدعون الحکمة ویجیدون فن إدارة المعارک الکلامیة التی تجرى على الهواء کل مساء فی أکثر من مکان هنا أو هناک تارة ثالثة. وبمرور السنین ومع تزاید حدة الأزمات وضیاع فرص التوافق الواحدة تلو الأخرى، أصبح لدینا واقع عام هو عدم الاستقرار، ذلک الواقع الذی لا یتیح أیة فرصة لکی تؤدی القوى الناعمة العربیة دورها ولو فی الحد الأدنى. وقد یتبادر إلى الذهن أن الدعوة إلى الاستقرار هی دعوة إلى الجمود ومقاومة التطور، ولکن العکس هو الصحیح حیث الاستقرار هو عنوان الوحدة الوطنیة والتوافق حول أهداف سامیة یجمع علیها الکل والتفرغ للبناء والعمران والثقة بالنفس عند الانفتاح على العالم، وتحقیق التراکم فی الازدهار أو بالأحرى التراکم فی تجارب النجاح.. لم یعد هذا الشرط قائما، بل السائد هو العکس، والقلیلون من عالمنا العربی من فطنوا لذلک فحافظوا على استقرارهم وتراکم نجاح تجاربهم فی التطور إلى الأفضل، ولذلک لیس من الغریب أن تنشط القوى الناعمة الوطنیة عند هؤلاء، بینما تغیب أو تتوارى عند غیرهم ممن ذاقوا ولا یزالون یذوقون مرارة عدم الاستقرار. ولأن الأکثریة العربیة هی من تعانی من عدم الاستقرار، جاءت الإشارة إلى أن القوى الناعمة العربیة فی معظمها لم تعد تستطیع القیام بدورها برغم التأکید مجددا على أن عناصرها الذاتیة لا تزال بخیر.
للقوى الناعمة العربیة خطابها الممیز والخاص وأدواتها أیضا وقاعدتها المجتمعیة ومکانتها عند أهل الحکم، بینما لخصومها خطاب وأدوات وقاعدة اجتماعیة ومکانة مختلفة تماما، هی على النقیض إلى حد کبیر من الأولى. ونظرة بسیطة على المشهد العام توضح الفارق وتفسر أسباب غیاب الدور المنوط بالقوى الناعمة. هناک بالقطع مفکرون وکتاب یخاطبون العقل بالحکمة والحجة القویة هدفهم الإصلاح والبناء والحفاظ على الهویة الوطنیة، وهناک نشطاء لا هدف لهم سوى التغییر الجذری، حتى لو کان ذلک عنوانا للفوضى والهدم، وأغلبهم لم تکن له علاقة أصلا لا بالفکر ولا بالکتابة. ولأن المناخ العام هو عدم الاستقرار أصبحت الکلمة من حیث قوة التأثیر للنشطاء ولیست للمفکرین والکتاب الحقیقیین. وهناک سیاسیون محنکون ورجال دولة بمعنى الکلمة یقرأون الأحداث على النحو الصحیح ویقدرون عواقب الأخطاء، ومن ثم یسعون جاهدین لنزع فتیل الأزمات وإصلاح ذات البین بین الخصوم المتحاربین، یقابلهم أمراء للحروب الأهلیة والفتن السیاسیة یستفیدون أساسا من استمرار حالة عدم الاستقرار لأنها هی البیئة الخصبة لوجودهم ومن ثم قدرتهم على توجیه مسار الأحداث.
وعلى صعید الأدوات أدى عدم الاستقرار إلى ضیاع صروح شتى کانت تتفاخر بها القوى الناعمة العربیة بین الأمم، کما حول الوسائل الحدیثة التی أفرزتها البشریة المعاصرة فی سعیها لمزید من التطور والرقی الإنسانی، إلى نقمة عرقلت الدور الذی کان منتظرا من القوى الناعمة العربیة. فالعراق الذی کان کنزا للتراث العربی والإسلامی ومرکزا للإشعاع الفکری والإبداع الفنی والأدبی، أصبح متضررا بشدة بعد أن تم تدمیر معالمه الحضاریة على أیدی أمراء الحروب وطیور الظلام وما تبقى جرى نهبه وبیعه فی الخارج أو سرقته جهارا نهارا، کما توقف إبداعه الفنی والأدبی. وحدث نفس الشیء تقریبا فی سوریا التی لم تقل یوما أهمیة فی هذا المجال عن العراق، حیث جرى تدمیر معالمها الحضاریة التاریخیة ونضب إبداعها الفنی والأدبی. والیمن التی کانت تفاخر الجمیع بأنها الأکثر ثراء بفنون الإبداع الفکری المختلفة جرى تدمیرها أیضا، ولم تسلم لیبیا من نفس المصیر.. وباختفاء الأدوات نتیجة الحروب وعدم الاستقرار، لم یکن غریبا أن تخرج هذه الأقطار العربیة العزیزة على نفس کل عربی من دائرة القوى الناعمة العربیة. ومن جهة أخرى، وعلى صعید التحول فی مدى الاستفادة من أدوات العصر، فإن وسائل التواصل الاجتماعی على اختلاف أنواعها أصبحت فی الأغلب الأعم قناة لتعمیق الجراح بین الأفراد والشعوب العربیة، والهدم والتدمیر لإنتاجها العقلی فکرا وإبداعا. ومن الصحیح أنها ساعدت کثیرا فی مجالات نشر الإبداعات المختلفة بما فیها الکتب القدیمة التراثیة والحدیثة أیضا، والأعمال الإبداعیة الفردیة فی الشعر والروایة وکذلک توفیر سبل المشاهدة الواسعة النطاق لأعمال فنیة عدیدة. ولکن کل ذلک خضع لأمرین فی منتهى الخطورة، هما التسییس والانفلات الأخلاقی، فما ینشر عبر هذه الوسائل فی نطاق الأعمال الفکریة یخدم أهدافا سیاسیة معینة لصالح قوى سیاسیة معینة أیضا، وما یندرج فی نطاق الأعمال الفنیة هو بالأعم ترویج للانفلات الأخلاقی بکل معنى الکلمة، وهکذا بدلا من أن تتحول هذه الوسائل إلى مصدر دعم لدور القوى الناعمة العربیة، أصبحت طریقا للإجهاز على هذه القوى!. ومع أن هذه الأمراض لم تقف عند المنطقة العربیة (هناک نحو 80 ملیون عربی یستخدمون الفیس بوک ونحو 150 ملیون یستخدمون الإنترنت)، بل شملت أیضا الدول الأخرى غیر العربیة، إلا أنها بالنسبة للحالة العربیة تحولت فعلا إلى «سلاح» لتعمیق الخلافات وأداة من أدوات ما یسمى بالجیل الرابع للحروب، لأن المنطقة تعیش حقا حالة من الاحتراب الأهلی وعدم الاستقرار.
فی محاولة لتقریب صورة المشهد للمأزق الذی تعیشه القوى الناعمة العربیة یکفی أن نقارن بین ما کان علیه الحال فی الماضی وما نحن فیه الآن باستدعاء ذاکرة رد الفعل العربی الذی یبرز دور هذه القوى فی ثلاث مناسبات تاریخیة من الماضی، ونقارنها بما هو قائم الآن. فعندما وقعت هزیمة 1967 تحرکت القوى الناعمة العربیة فی اتجاه النقد الحاد للوضع العربی برمته ولکنها أبدا ما سعت إلى خلق فتنة أو إثارة حرب بین دولة وأخرى أو ضرب الوحدة الوطنیة داخل الدول التی ارتبط اسمها مباشرة بهذه الهزیمة، وساهم تعاملها مع الحدث فی تصحیح ما جرى وتحقق النصر فی أکتوبر 1973. وعاشت لبنان حربا أهلیة استمرت 15 عاما من عام 1974 حتى 1989 خفق لها قلب کل عربی وفیها برز دور القوى الناعمة فی استنکار الطائفیة دون أن توجد فتنة بین العرب وبعضهم البعض وساهمت فی قیام دور عربی نجح فی وضع اتفاق الطائف الذی أنهى هذه الحرب، وعادت لبنان کما کانت مقصدا لکل عربی. وعند اجتیاح العراق للکویت أغسطس 1990 اجتمعت کلمة القوى الناعمة العربیة على استنکار هذا الاعتداء واحتضنت مشاعر الإخوة الکویتیین وفرحت لتحریر الکویت. ومع أن المشهد عکس شرخا فی الموقف العربی ککل، إلا أن القوى الناعمة العربیة انتصرت للحق ولم تسعى إلى توسیع رقعة الخصام وطالبت بوضوح بالمصارحة قبل المصالحة وهو ما کان. وکم هی بعیدة المسافة بین حالات الماضی والحالة المعاصرة من حیث دور القوى الناعمة العربیة، حیث لا دلیل ملموس سواء على الصعید الفکری أو الإبداعی والفنی جسد نفسه على أرض الواقع لتکرار نفس ما جرى – مع الفارق – بالنسبة للأحداث الثلاثة المشار إلیها، بل خلت الساحة للأطراف التی عمقت الجراح سواء فی العراق أو سوریا أو لیبیا أو الیمن. لم یحدث ذلک تقصیرا من القوى الناعمة العربیة، وإنما لأن الدور لم یعد ممکنا لأن الوضع برمته یعبر عن حالة عدم استقرار مزمنة.
د. عبد العاطى محمد
 


Page Generated in 0.0050 sec