printlogo


رقم الخبر: 127633تاریخ: 1397/6/22 00:00
الرایة تحمل جمالیتها بذاتها، فهی تتفرد ببعد عقائدی فکری وأسلوبی



ربما تکون للرایة خصوصیة تتفرد بها من حیث تصمیمها باختزالیة عالیة ومکان وزمان استخدامها، من حیث اقتصارها فی الغالب على الشکل المستطیل واعتماد خامات القماش المتمیزة بالانسیابیة التی تساعد على الرفرفة، مع وضعها فی أماکن مرتفعة عن طریق الساریة او فوق القباب والمآذن الاسلامیة .
ولو نظرنا الى الرایة کعمل فنی تصمیمی نجدها تحمل جمالیتها بذاتها، فهی تتفرد ببعد عقائدی فکری وأسلوبی، وهناک نماذج لرایات واعلام اختزلت بالوان واشکال متعددة، ومنها ما اختزلت بلونٍ واحد مثل رایة النبی محمد صلى الله علیه وآله وسلم (العُقاب)، ذات اللون الأسود ورایات الائمة الاطهار ذات اللون الاحمر المرفوعة فوق قباب اضرحتهم الشریفة.
 کما أن الرایة کمنظومة اتصالیة تتعلق بالمُرسل (مصمم الرایة والجهة التی تبنتها) والرسالة (الرایة) والمُرسل إلیه (المتلقی)، والرسالة والمرسل إلیه عادة ما  تکون أشد ضرورة من المرسل بالقدر الذی یترتب علیه التعبیر عن الوعی الجمعی، فالحصیلة الجمالیة للرایة فی النهایة یجب أن تحظى برضا وقبول المجتمع لأنها تمثل الهویة السیاسیة والفکریة والعقائدیة لهم، فللتصمیم وجمالیته أثر فی هذا القبول او رفضه.
منذ أن تمکّن الإنسان فی الأرض.. وزخر فکره بتصورات عن ظواهر الأشیاء وما ورائها، نمت رؤیاه ولم تعد وسائل التعبیر لدیه مقتصرة على معطیات الحسّ والعالم الموضوعی، بل استنفر مجمل طاقاته من عقل وخیال وإلهام لاحتواء موضوعات الفکر بکل شمولیته وحیثیاته، وهذا یتجلى فی مجمل النشاطات الفکریة فی العصور الماضیة، فقد لجأ الانسان إلى تجرید الاشیاء والأشکال وطبعها بطابع رمزی یحمل دلالات فکریة عدة، وإن محاولة تفسیرها یستدعی وعیاً کاملاً لا یقف فی حدود المرئیات .
وضمن هذه الرؤى الشمولیة تمیز الخطاب الفکری الإسلامی عن خطابات الحضارات الاخرى بعمقه وثرائه، بوصفه ممثلاً لرسالة سماویة الهیة تستوعب مجمل الحیاة المادیة والروحیة، ویلقی على الفنان والمفکر المسلم ثقافة موصولة بالمطلق، تمثلت أسسها بالقرآن الکریم الذی یکشف عن أسرار الکون، وما یحیط به، ویثبت أسس الحیاة البشریة، مما کان له الأثر الکبیر فی تطور الفکر العربی الإسلامی، الذی انعکس بدوره على الفکر الجمالی الإسلامی ومنها جمالیة الرایات الاسلامیة التی تُعد تمثیلاً رمزیاً صادقاً لروحیة الاسلام.
ولا شک ان للرایة فی الاسلام حضور فی تأکید العقیدة لما تحمله من جانب روحی مرتبط بالمعتقد فهی تمثل هویة المسلم خصوصاً أثناء الحروب، فالرایة لها دور کبیر فی ثبات الجیش وانتصاره ما دامت مرفوعة خفاقة فی ساحة الوغى، وبالتالی فهی ضرورة لازمة فی المعرکة ولها تأثیرها النفسی على المقاتلین وزیادة حماسهم وبسالتهم، ففی تشکیل الرایة لن نکون بصدد شکل جمالی ذی غائیة امتاعیة فردیة، بل نکون إزاء منظومة معقدة تحمل تعبیرات سیمیائیة، لمجموعة المحمولات الثقافیة والإیدیولوجیة التی تتبناها فئة معینة او جیل معین أو حتى أجیال متعاقبة.
ومما ورد عند المؤرخین أن عقد الألویة والرایات فی الأماکن العامة کان للدلالة على إشهار الأمر وإعلان الحرب لذا تحمل الألویة والرایات ألواناً  تمیزها، ومن هنا اختلفت ألوانها.. فقد ورد ان لون اللواء فی معرکة مؤتة کان ابیضاً وقد سلمه رسول الله صلى الله علیه وآله إلى جعفر بن ابی طالب، وکان الإمام علی علیه السلام یحمل رایة سوداء ولواءً ابیضاً فی بعض معارکه ضد الخوارج، وفی معرکة صفین کانت رایته علیه السلام حمراء، وکانت أعلام العلویین ورایاتهم خضراء، وغیرها من الرایات والوانها التی استخدمها المسلمون فی حروبهم وسلمهم والتی کان لها دلالات ومعانی کثیرة ومختلفة، فمنها ما یثیر الهمم ومنها ما یسترجع مآثر الأبطال من الأجداد من شجاعة وقوة وإقدام.
کانت القبائل فیما مضى تتقاتل فیما بینها وتطحنها الحروب طحن الرحى وأذا بدأت الحرب فلا شیء یوقفها ولربما تتوارثها الاجیال المتعاقبة، لکن هناک عادات وتقالید التزمتها العرب وهی وقف القتال فی الاشهر الحرم لا لغرض المهادنة بل لحرمة القتال فیها.. وکل من الطرفین یترقب انقضاء هذه الاشهر کی یستأنفوا القتال، وقد استخدموا الرایة الحمراء للدلالة على عدم انقضاء الحرب فتوضع على خیمة زعمائهم کی یعلم الاعداء والاصدقاء ان الحرب لم تضع اوزارها بعد، فهم لایزالون یطالبون بالثأر لدماء ضحایاهم ...
وها نحن الیوم نرى رایة الثأر الحمراء تهتز خفاقة فوق قبة ضریح سید الشهداء ابی عبد الله الحسین (علیه السلام) .. وها هی الیوم تستبدل باخرى سوداء إیذانا بحلول شهر الحزن والاسى محرم الحرام.. وها نحن منتظرون .. متى تنقضی هذه السنین ..ونسمع نداء (یالثارات الحسین) متى الیوم الموعود یا حجة الله .
سامر قحطان القیسی
 


Page Generated in 0.0054 sec