printlogo


رقم الخبر: 127631تاریخ: 1397/6/22 00:00
حق العودة لا یسقط بقرار أمریکی




من الصحیح أن المساهمة فی الوکالة تطوعیة أی لا تمثل التزاما لا على الولایات المتحدة ولا على غیرها ثم من حق الولایات المتحدة أن توقف مشارکتها فی التمویل. ولکن إنهاء عمل هذه الوکالة، هو حق موکول للجمعیة العامة للأمم المتحدة وحدها ، تبقى علیها أو تلغیها خصوصا أن القرار المنشئ للوکالة ینص على التشاور بین دول الجوار والدول الأخرى المتبرعة فیما یتعلق بتحدید متى یتعین توقف نشاط الوکالة.
لم یکن مفاجئا قرار الإدارة الأمریکیة وقف مساهمتها فی میزانیة الوکالة الدولیة لغوث اللاجئین الفلسطینیین (الأونروا)، لأنها کانت قد أعلنت عن نیتها هذه فی ینایر الماضی، ولأن القرار کان متوقعا فی ظل السیاسة الأمریکیة الجدیدة الهادفة إلى إلغاء القضیة الفلسطینیة تماما بدءا من قرار نقل السفارة من تل أبیب إلى القدس إلى محاولة عزل غزة عن الضفة الغربیة وصولا إلى القرار الأخیر بوقف المساعدات للأونروا بما یعنى إلغاء حق العودة، لیتحول الأمر إلى مجرد نزاع على أراض بین الإسرائیلیین والفلسطینیین یمکن حله بصفقة تعکس ما یرید المحتل فقط أن یقدمه لضمان العیش للفلسطینیین تحت مظلة وسیادة دولة واحدة هی دولة الاحتلال مستندا فی ذلک إلى ما لدى المحتل من عوامل القوة.
والقرار الأخیر یعد تحدیا واستفزازا لباقی الدول الکبرى التی أنشأت مع أمریکا الأمم المتحدة للعمل من أجل حفظ أمن وسلام العالم ونصرة الشعوب الخاضعة للاستعمار والمتطلعة الى مکانة مناسبة بین الأمم الأخرى. وما کان لهذا السلوک الغریب أن یحدث لولا أن الإدارة الأمریکیة الجدیدة لا تلقی بالا بالمؤسسات ولا بالمستشارین وأهل الحکمة والخبرة بالشأن الدولی، وإنما تتصرف وفق ما تراه قیادتها مفیدا لها ولبلادها بعیدا عن کل التقالید التی رسختها المؤسسات الأمریکیة وغیر الأمریکیة، بل وبعیدا عن قواعد وقرارات المنظمة الدولیة التی هی وجهة نظر المجتمع الدولی نفسه.
وفی ظل ما تردد حول وجود خلافات بین مسؤولین أمریکیین کبارا حول القرار الخاص بوقف المساعدات الأمریکیة للاونروا والذی یقف جارید کوشنر ، صهر الرئیس الأمریکی ، وراءه ، خرجت المتحدثة باسم الخارجیة الأمریکیة لتقول ، فی سیاق تبریرها للقرار ، إن «الإدارة درست الموضوع ووجدت أن عمل الوکالة الدولیة معیب بشکل لا یمکن إصلاحه» وهو ما استقبله مسؤولو الوکالة بالاستهجان ووصفوه بالأمر الغریب والمثیر للدهشة. والملفت أن أمریکا ذاتها کانت قد تبرعت بنحو 368 ملیون دولار العام 2016 وکانت تمول نحو 30% من أنشطة الوکالة، فکیف اکتشفت خلال عامین فقط أن عمل هذه المنظمة معیب إلى حد یصعب إصلاحه؟!، علما أن عمل الوکالة ممتد منذ 68 عاما ولم تعترض علیه أیة إدارة أمریکیة سابقة.
یعلم الکافة من المسؤولین الأمریکیین الأحیاء والأموات وکذلک کل الخبراء والسیاسیین الذین تابعوا القضیة الفلسطینیة على مدى التاریخ أن نشأة وکالة غوث اللاجئین ارتبطت ارتباطا وثیقا بالحل الذی رأته الأمم المتحدة مع قیام إسرائیل، وهو أن هناک شعبا فلسطینیا تم تشریده من وطنه فلسطین بسبب حرب 1948 وأن قطاعا کبیرا من هذا الشعب أصبح لاجئا فی أکثر من بلد عربی مجاور هی تحدیدا الأردن وسوریا ولبنان والأراضی الفلسطینیة سواء الضفة أو غزة، وأن وضعیة اللاجئ تعنی أنه فی حالة مؤقتة یتعین مع انتهائها أن یعود إلى وطنه، وأنه یحتاج إلى المساعدة الضروریة لیبقى على قید الحیاة وخصوصا فی مجالات الغذاء والصحة والتعلیم والتشغیل. وبناء علیه حرصت المنظمة الدولیة على التشدید على أن الوضع المؤقت والمساعدة من خلال وکالة الغوث لا یمسان حق اللاجئین فی العودة. هکذا کانت صیاغة القرار الصادر من الجمعیة العامة برقم 302 یوم 8 دیسمبر 1949.
الإدارة الأمریکیة تتعمد إلغاء عمل الوکالة تدریجیا لإلغاء حق العودة برغم وضوح القرار الدولی المذکور الذی یعد سندا قانونیا دولیا قویا لتأکید هذا الحق. وقدمت طرحا ضعیفا للغایة لقرارها وقف التمویل ، وهو ما أثار استنکار قیادات الوکالة وبالطبع القیادة الفلسطینیة. فهی تقول بأن عمل الوکالة «معیب» مع أنها على درجة عالیة من الکفاءة ، وإلا لکانت الدول الأخرى المتبرعة قد توصلت إلى نفس التقدیر وقررت أن تسلک نفس الموقف، وهو ما لم یحدث، خصوصا أنها مؤسسة تعمل ضمن إشراف الأمم المتحدة ولها تاریخ طویل. وقالت أیضا إنها ترید أن تراجع حجم اللاجئین حیث لا تعترف بما هو مسجل عن عددهم فی وثائق الأمم المتحدة. وترید أن تقلل هذا العدد من 5 ملایین لاجئ إلى 500 ألف فقط. ومع أن هذا یعد تشکیکا فی مصداقیة المنظمة الدولیة، فإنها لم تقدم الدلیل على صحة تقدیرها الجدید. والهدف هو إثبات أنه لا توجد قضیة لاجئین أو أنها قضیة بسیطة جدا تتعلق بحیاة نصف ملیون شخص فقط ومن ثم لا یتعین وجود وکالة لرعایتهم ولا اعتمادات مالیة کبیرة. واتساقا مع هذا التوجه الأمریکی لإفراغ القضیة من جوهرها ولترویج أنها مسألة لا تستحق أن تکون ضمن أیة خطة سلام مقبلة. فقد صدر القرار بضغط من «کوشنر» ردا على رفض أفکاره التی طرحها على مدى الأشهر الأخیرة.  ومن ناحیة أخرى یمثل ضغطا على الدول التی تحتضن اللاجئین وفی المقدمة من هؤلاء الأردن، حیث یصبح من المتعین أن تتحمل هذه الدول نفقات حیاة اللاجئین من غذاء وصحة وتعلیم وتشغیل بما یعنی ترحیل المشکلة کاملة إلى هذه الدول، مع أن نظام الوکالة قائم على التبرع الطوعی من مختلف دول العالم عبر الصندوق المخصص لذلک. وتتصور الإدارة الأمریکیة أنه بهذا الوضع تجعل الدول الحاضنة والمتبرعة فی مأزق یتعلق بضرورة أن تتحمل المسؤولیة على الأقل لکی تواصل الوکالة نشاطها مع احتمال أن تضیق ذرعا بالمهمة مع الوقت ومن ثم ترضخ لإقصاء مسألة حق العودة من أیة عملیة سلام مقبلة.
ومن الصحیح أن المساهمة فی الوکالة تطوعیة أی لا تمثل التزاما لا على الولایات المتحدة ولا على غیرها ثم من حق الولایات المتحدة أن توقف مشارکتها فی التمویل. ولکن إنهاء عمل هذه الوکالة، هو حق موکول للجمعیة العامة للأمم المتحدة وحدها ، تبقى علیها أو تلغیها خصوصا أن القرار المنشئ للوکالة ینص على التشاور بین دول الجوار والدول الأخرى المتبرعة فیما یتعلق بتحدید متى یتعین توقف نشاط الوکالة. ولیس من المتصور أن الدول الکبرى الأخرى وبقیة أعضاء الجمعیة العامة سیوافقون على الرغبة الأمریکیة فی إنهاء عمل الأونروا احتراما لالتزاماتهم الدولیة فیما یتعلق بتحقیق السلام والاستقرار فی الشرق الأوسط. ومن جهة أخرى فإن مسألة التمویل یمکن أن تتکفل بها دول عربیة وإسلامیة عدیدة أی لا تشکل مشکلة کما قد یتصور البعض . وکرد فعل بدأت دول أوروبیة تتحدث عن استعدادها لرفع مساهماتها فی میزانیة الوکالة الدولیة مثل ألمانیا. والأرجح انه لن تجنی الإدارة الأمریکیة من هذا القرار إلا المزید من الحرج والصعوبة فی القیام بدورها کدولة عظمى فی عملیة السلام بالشرق الأوسط، تماما مثلما حدث معها فی مسألة نقل السفارة إلى القدس وفی محاولة فصل غزة عن الضفة الغربیة .
د. عبد العاطی محمد

 


Page Generated in 0.0053 sec