printlogo


رقم الخبر: 125304تاریخ: 1397/5/22 00:00
الحُروب الاقتصادیّة التی یُشْعِل فتیلها ترامب فی عِدَّة جَبَهات دُفْعَةً واحِدة لن تُبْقِ لَهُ أیَّ صَدیقٍ غَیر إسرائیل..



یُقَدِّم الرئیس الأمریکی دونالد ترامب خِدمَةً کَبیرةً لأعدائِه ویَخلِق أزماتٍ کبیرة لحُلفاء بِلادِه، من خِلال مُبالغته فی فَرض الحِصارات، وخَوض المعارک الاقتصادیّة على أکثرِ من جَبهةٍ فی الوَقتِ نَفسِه، إذا استمرّت مِثل هَذهِ السِّیاسات، فإنّه لن یَجِد له أصدقاءً فی العالم غیر إسرائیل والمملکة العربیّة السعودیّة.
الرئیس ترامب فَرَض عُقوباتٍ اقتصادیّة على ترکیا، وبدأ حِصاراً خانِقاً ضِد إیران، وحَظَر التَّعَامُل على الروبل، العُملة الروسیّة، وشَدَّد العُقوبات على کوریا الشمالیّة، ویَستعِد لفَرض رُسومٍ جُمرکیّةٍ على الصَّادِرات الصینیّة إلى بِلادِه قد تَصِل إلى 400 مِلیار دولار فی الأَشهُر المُقبِلة، وأُخرى على نَظیراتِها الأُوروبیّة.
کُل هَذهِ الحِصارات تَقِف خلفها إسرائیل التی باتت صاحِبة النُّفوذ الأکبَر على الرئیس الأمریکی، وتباهَت مَصادِر إسرائیلیّة عُلیا بأنّ تفاصیلها وضعها بنیامین نتنیاهو، رئیس الوزراء، ودعمها جارید کوشنر، تلمیذه وصِهر الرئیس الأمریکی ومُستشاره الأبرز، مِثلَما أکّد بن کاسبیت، الکاتب الإسرائیلی المُقرَّب مِن المصادر الأمنیّة فی مَقالٍ له نشره فی مرکز «المَصدر» المتخصِّص فی شُؤون مِنطَقة الشرق الأوسط.
عندما یَشُن ترامب حَربا اقتصادیّةً ضِد کُل من روسیا وترکیا وإیران، الدُّول الثَّلاث الأعضاء فی مَنظومة «سوتشی» الإقلیمیّة، فإنّه یُعَزِّز تَماسُک هَذهِ المَنظومة، ویُضیف إلیها کُل من الصِّین وباکستان والهِند، الدول التی أعلَنت عدم التزامِها بالعُقوبات الأمریکیّة هذه، وتحدِّیها لأیِّ عُقوباتٍ ضِدّها عِقابا لها، مِثلَما هَدَّد الرئیس ترامب.
الرئیس ترامب نَجَح حتّى الآن فی توحید أهم وأقوى دولتین إسلامیّتین فی الشرق الأوسط ضِدّه، ووضع المَذهبین السُّنی والشِّیعی تحت مِظلَّة العَداء والکراهیّة لإدارتِه وبِلادِه، ونحن نتحدّث هُنا عن إیران وترکیا، الأمر الذی سیُصیب خُططه فی إقامَة «ناتو سُنّیّ» عَربیّ، على أُسُسسٍ طائفیّةٍ بضَربةٍ شِبه قاضِیة.
کان لافِتا أنّ باکستان فی عَهد الرئیس الجدید عمران خان، شَقّت عصا الطَّاعة على الحَلیف الأمریکیّ، وأعلنت على لِسان محمد فیصل، المُتحَدِّث باسم وزارة خارجیّتها، أنّها لن تَلتزِم بالعُقوبات الأمریکیّة ضِد إیران، وستُواصِل علاقاتِها التجاریّة معها دون تغییر، وأنّها دولة ذات سِیادة ، وتَرسُم سِیاساتِها وِفقا لمَصالِحها ولیس الإملاءات الخارجیّة.
هذا المَوقِف الباکستانی المُفاجِئ یعنی أنّ باکستان خرجت من المُعسکَر السعودیّ الخلیجیّ، وقرّرت الوقوف فی الخَندق الإیرانی، فی مُواجَهة الرئیس ترامب وإدارته، وسَتُحلِّق بها مالیزیا أیضا التی انسحَبت من الحِلف العسکری الإسلامی، وکانت خَطواتها الأُولى سَحب قُوّاتها من حرب الیمن، وذهبت إلى ما هو أبعد من ذلک عندما أغلقت مَرکزا لمُکافَحة التطرف أقامته السعودیّة فی کوالالمبور وحَضر حفل افتتاحِه الملک سلمان بن عبد العزیز أثناء زیارته لمالیزیا قبل عام، ولا نَستغرِب إذا ما أقدمت إندونیسیا على الخَطوةِ نَفسِها.
التَّقارُب الباکستانیّ الإیرانیّ سیَنعکِس سَلبا على المَشروع الأمریکیّ الرَّامی إلى تعزیز الاستقرار فی باکستان، والقَضاء على حرکة طالبان التی تَخوض حرب عِصابات شَرِسة، لنَسف هذا المَشروع الذی کَلَّف الوِلایات المتحدة وحُلفاءَها فی حِلف الناتو أکثر من ألفیّ قتیل وترلیونیّ دولار مُنذ التَّدخُّل العَسکریّ عام 2001 وحتّى الآن.
الحِصار لن یُؤَدِّی إلى ترکیع ایران وقَصقَصة أذرُعِها العَسکریّة القَویّة فی أکثر من دَولةٍ فی المِنطَقة، وفرض اتِّفاق نووی جدید ومُعَدَّل، کما أنّه لن یُفَجِّر ثَورةً تُزعزِع استقرار الحُکم فی طِهران وتُؤدِّی إلى تغییره، فزمن تغییرات الأنظمة ربّما یکون ذهب إلى غیر رجعة، وصُمود سوریة بعد سَبع سنوات مِن التَّدخُّلات العَسکریٍة الدمویّة، وإنفاق 70 ملیارا من الدولارات، وضَخ أکثر من 300 ألف مُقاتِل بعد تدریبهم وتَسلیحِهم، وحشد تحالف من 70 دولة، هو البِدایة والدَّلیل فی هذا المِضمار، فدُروس لیبیا والعِراق والیَمن وأفغانستان لن تتکَرَّر.
أمریکا لیسَت وحدها القُوّة العُظمَى المُسیطِرة على العالم، فهُناک الصِّین وروسیا، ودُوَل نوویّة أُخرى مِثل کوریا الشمالیّة وباکستان والهِند، باتت تَقِف فی الخندق المُواجِه لهذهِ الغَطرسة الأمریکیّة، وتُعلِن تَمرّدها العَلنیّ على حِصاراتِها، وربّما تسیر أوروبا على النَّهج نَفسِه فی المُستقَبل القَریب.
إذا تَوحَّد المُثلَّث الروسی الإیرانی الترکی فی جَبهةٍ واحِدةٍ على أرضیّة مُواجَهة الحِصارات الأمریکیّة على الدُّوَل الثَّلاث سَینجح ویُفشِلها فَشَلاً ذَریعا، ومعها هیبة أمریکا کقُوّة عالمیّة کُبرَى، فالعالم یستطیع أن یعیش بُدون الدولار الأمریکی، وبُدون الأسواق والکوکاکولا الأمریکیّة، قد تَکون هَذهِ الحِصارات فألْ خَیر، وبِدایة صَحوة عالمیّة، وبَلوَرة نِظامٍ اقتصادیٍّ جَدید ومُستَقلّ، یَستَنِد إلى سَلَّةٍ من العُملات لیس بَینها العُملَة الأمریکیّة.
ربّما یَعتقِد البعض أنّنا حالِمون ومُتفائِلون أکثَر من اللازم، وهذا اعتقاد فی غَیر مَحلِّه، لأنّ أمریکا ومن خِلال رئیسها المُتَهوِّر، الذی لا یتَعاطى إلا مع المُتهَوِّرین أمثاله، تُطلِق النَّار على أرْجُلها، وتَحشِد الکراهیّة ضِدّها، لیس فی الشرق الأوسط والعالم الإسلامی فقط، مِثلَما کان علیه الحال فی الثَّمانینات والتِّسعینات، وإنّما فی العالِم بأسْرِه.
فی الماضِی کانت الکراهیّة لأمریکا تَرتَکِز على دَعمِها للکَیان الیهودی فی فِلسطین المُحتلَّة، وحُروبِها فی العِراق وأفغانستان، الآن أُضیفَت إلى هَذهِ الأسباب حِصاراتِها وحُروبِها الاقتصادیّة التی تُلحِق الضَّرر بأقْرِب حُلفائِها قَبل أعدائِها.
ثَورَة الغضب ضِد أمریکا عالمیًّا باتَت قَریبةً، ونَرى عَواصِفها العاتِیة تتجمَّع، ولا أحَد یَتنَبَّأ بنتائِجها، وقد تتغیّر أمریکا ونِظامها، قبل حُدوث التَّغییر فی ترکیا وإیران وروسیا.. واللهُ أعْلَم.
عبد الباری عطوان
 


Page Generated in 0.0120 sec