printlogo


رقم الخبر: 125302تاریخ: 1397/5/22 00:00
اختبارات المرحلة السیاسیة



تتضح صورة الحرب مع ضیق الخیارات السوریة القادمة، فالمعارک العسکریة مهما طالت هی فی النهایة حرب إرادات لتحدید مسارات القادم، وعند الحدیث عن «انتصار سوری» فهو یعنی فی النهایة القدرة على امتلاک القرار خلال مرحلة ما بعد الحرب، وفی الأزمة السوریة فإن «التوافق» الدولی والإقلیمی یبدو فی حدوده الدنیا، فما حدث لا یمکن اعتباره هزیمة طرف بل حالة انکفاء بانتظار الصراع السیاسی - الاقتصادی.
من هذه الزاویة یمکن فهم لقاءات الإسکوا وتقاریرها طوال مرحلة الحرب، ومعارک الأرقام وإعادة الإعمار التی بدأت قبل أن تتضح مسارات الحرب بشکل نهائی، وبالتأکید فإن الرغبة الروسیة فی نقل سوریة من ساحة معرکة إلى منطقة توافقات تضع أمام السوریین عموماً استحقاقات أساسیة، فهناک «نصف انتصار» ینتظر تحقیق سیاق قوی یعمق مفهومی السیادة والتنمیة کقطبین لعمل تشارکی قادم.
عملیا فإن موسکو فتحت دائرة واسعة لحالة مشارکة دولیة فی تثبیت الاستقرار السوری، واتضح هذا الأمر بمسألة إعادة اللاجئین کمجال حیوی یوسع دائرة العمل الدولی الذی تقوم به روسیا، ولکن السؤال المطروح: کیف یمکن أن تؤدی هذه العملیة لرسم صورة نهائیة فی علاقة سوریة دولیا وإقلیمیا؟ فالعملیة الروسیة تبدو من دون أی شروط سیاسیة، فهی بوابة لتشکیل «إعادة الإعمار» بعیداً عن الترتیبات التی تمت خلال سنوات الأزمة ابتداء من العقوبات وانتهاء بالمؤتمرات ومحاولة اقتسام الحصص.
یعمل الکرملین على صیاغة علاقة مرنة تتیح العودة إلى مساحة الحل السیاسی من بوابة مختلفة، فالانتصار العسکری یتیح «المشارکة» من زاویة القوة، وهو ما تفهمه الولایات المتحدة بشکل مختلف، لأن توافقها مع روسیا یقف عند حدود إیقاف التوتر العسکری، وهی ترکت لموسکو التفاهم بهذا الشأن مع «إسرائیل»، وفی المقابل فإنها لا ترید فتح جبهات متعددة فی ظل صراعها الأساسی مع إیران، وهذا یعنی أمرین أساسیین:
- الأول أن الولایات المتحدة لا تنسحب من المنطقة بل من مرحلة تصفیة الصراع کی لا تتحمل تبعاته، فهی لا ترید فتح ملف الأکراد على مصراعیه فی ظل خلافها مع حکومة أردوغان، وتحاول تجنب أی احتکاک على جبهة الجولان تغیر من المعادلة القائمة التی تسیر نحو «صلح تاریخی» بین «إسرائیل» والجزیرة العربیة.
- الثانی یرتبط بطبیعة الحل السیاسی القادم، فالإدارة الأمیرکیة غیر مهتمة بالشکل السیاسی بل بنوعیة الدولة السوریة القادمة، وبعلاقات التوافق داخلها بین الأطراف التی ستدخل فی العملیة السیاسیة، فهی فی النهایة ترید «زوایا رخوة» یمکن الضغط عبرها لرسم الشرق الأوسط بشکل عام.
عندما نتحدث عن خیارات سوریة ضیقة فالمقصود هو التوافق الروسی - الأمیرکی الحرج، فهذا التوافق الذی ترک لموسکو هندسة العلاقات لإنهاء العنف؛ لا یعنی بالضروری أن التصورات الروسیة للحل یمکن أن تمر بشکل سلس، وهو یفرض على السوریین التعامل مع هذا التشابک الروسی - الأمیرکی بشکل خاص جدا، فالمسألة هنا لا تعنی الجانب الرسمی السوری بل کل القوة المهتمة باستقرار البلاد ونموها، وهذا یعنی العلاقات داخل سوریة هی الأهم للاستفادة من مرحلة التوافق الدولی القصیرة، لأنها فی النهایة ستعود لصراع المصالح مع انتهاء کل المعارک.
المسألة لا تحتاج لمؤتمرات حوار تعتمد على مفاوض خارجی، فأدوات الحوار بمستویاتها الأدنى متوافرة خصوصاً مع الدعوة لانتخابات الإدارة المحلیة، فهی فرصة لقاء أکثر فعالیة لأنها تنقل أدوات الحوار من احتکار النخب إلى مستوى المجتمعات المحلیة، والمسألة لیست فی العملیة الانتخابیة بل فی الفرصة المتاحة لحوار غیر معلن ربما بین المرشحین ومجتمعاتهم المحلیة أو حتى على مستویات أوسع.
ینظر الجمیع إلى الانتخابات من زوایا مختلفة، لکنها هذه المرة تبدو مساحة مفتوحة لتأسیس حوار بغض النظر عن العملیة الانتخابیة، فالمهم هی الفرصة التی تتیح بناء المجتمع بطریقة مختلفة قبل البدء بالحل السیاسی الذی یخضع للشرط الدولی.
مازن بلال
 


Page Generated in 0.0182 sec