printlogo


رقم الخبر: 122917تاریخ: 1397/4/23 00:00
هل یصبح الیمن امتداداً لـ«أرض المیعاد»؟



 بعد کتاب «دم ونفوذ، من النفط إلى الغاز»، تعمل الباحثة أمل أبو موسى على کتاب عن الیمن یلقی أضواء حمراً على خلفیات الصراع حوله ویرکّز على الخطط الإسرائیلیة للسیطرة على البحر الأحمر والممرات المائیة فی ما یشبه کماشة حول الدول العربیة. وقد أتیحت لی فرصة، من أجل تقدیم الکتاب، للاطلاع على المراحل التی قطعتها المؤلّفة فی أبحاثها حول هذه المسألة التی تشکّل الخلفیة الحقیقیة للصراع حول الیمن.
تعرّفنا أبو موسى فی بحثها إلى بلاد ذات تاریخ عریق قیل فیها إنها کانت یوماً من أقدم المناطق المأهولة فی العالم القدیم، ومن أکبر الممالک فی القرن التاسع عشر قبل المیلاد، وقد نشأت فیها حضارات سبأ، وحمیَر، ومعین، وعرفت بملکتها بلقیس التی اشتهرت بثرائها الفاحش، کما بسدها الأعجوبة الذی لقب محیطه بـ(الجنتین).
ویندر أن نجد مکاناً مثله فی التاریخ یقع ضحیة موقعه الجغرافی. فهو ممر تجاری للقوافل، وخاصرة الخلیج (الفارسی) المفتوحة على العالم، وقد تزاحمت دول کثیرة على وضع یدها علیه بما فیها إسرائیل، وهی الأخطر؛ ذلک أن الیمن یتحکم بمضیق باب المندب الذی یربط المحیط الهندی وخلیج عدن بالبحر الأحمر، ثم بالبحر الأبیض المتوسط عبر قناة السویس. وهو ممر رئیسی للنفط والبضائع من الشرق الأقصى والهند والخلیج (الفارسی) وشرق أفریقیا إلى موانئ البحر الأحمر، فقناة السویس، فالبحر الأبیض المتوسط وشمال أوروبا، وصولاً إلى أمیرکا.
فی إطار السعی إلى السیطرة على البحار السبعة، عملت دول کثیرة على وضع یدها على هذا الممر الحیوی الذی یعبره نحو ثلث الإنتاج العالمی للنفط. وتزداد أهمیته الاستراتیجیة لتداخله مع مضیق هرمز وقناة السویس. وزاد طمع هذه الدول به بعد اکتشاف النفط والغاز فی أنحاء عدة من الیمن. وإذ تعذّرت السیطرة على باب المندب من دون وضع الید على الیمن الذی عرف بـ«السعید»، لجمال طبیعته وبساطة عیش أهله، شُنّت علیه حروب عدة کانت آخرها «عاصفة الحزم» التی قادتها السعودیة وأدت حتى کتابة هذه السطور إلى سقوط آلاف القتلى، ونشر وباء الکولیرا ومعاناة نحو سبعة ملایین من الجوع. وبین أبرز الضحایا آلاف الأطفال الذین کانوا یسقطون تحت وابل صواریخ الطائرات والقنابل الحارقة والمدمرة بمعدل ثلاثة أطفال یومیاً.

صمود أسطوری
ورغم شراسة هذه الحرب وبشاعتها، فإن الشعب الیمنی قاومها، وواجه الطائرات وصواریخها بصدور عاریة وبإیمان لا یتزحزح، متمسکاً بأرضه مفضّلاً الاستشهاد فیها على هجرها والنزوح عنها وتحقیق أمنیة العدوان الذی یرید الأرض من دون شعبها! ولطالما راهن الطامعون بالیمن وثروته وموقعه الاستراتیجی على إدمان شعبه عشبة القات التی تُشعر بالنشوة فینسى الیمنی مشکلاته.
  کان مندوبو الیمن، فی زمن الإمامة، یعبِّرون عن هذه الحالة بالنوم فی المحافل العربیة والدولیة، حتى باتوا مضرب مثل فی العالم... إلى أن جاء یوم من عام 1962، عندما حطت طائرة فی مطار واشنطن وأطلت من بابها سیدة مکتملة الأناقة، ترتدی زیاً عصریاً، وتعتمر قبعة ذات طراز رفیع، ویقف إلى جانبها رجل فی قمة أناقته. وإذ سئل موظفو المطار من یکون هذان الضیفان الأنیقان، أجابوا أنهما المندوب الدائم للجمهوریة الیمنیة، المولودة حدیثاً، لدى الأمم المتحدة: السفیر الصدیق محسن العینی وزوجته الأدیبة والقصصیة عزیزة أبو اللحوم. وفی السنة التالیة، قدّم العینی أوراق اعتماده إلى الرئیس جون کینیدی کأول سفیر للجمهوریة الیمنیة لدى الولایات المتحدة. وإذا کانت من فضیلة أمل أبو موسى، فهی أنها نجحت فی تقدیم صورة صادقة عن بلد عریق مثل الیمن، لم یبق فی العالم دولة إلا حاولت إیجاد موطئ قدم فیه أو الجزر المحیطة به، من السعودیة والإمارات إلى مصر وقطر وأمیرکا وروسیا والصین والیابان وإیطالیا وإیران، کما کان مسرحاً لصراعات سیاسیة شتى، لیبرالیة واشتراکیة وشیوعیة، إضافة إلى حرکات إسلامیة متنوعة من الیزیدیین والحوثیین، إلى «القاعدة» و«داعش» اللتین وجدتا فی الیمن بیئة حاضنة خصوصاً بعد انتقال زعیم الأولى، أسامة بن لادن، إلیها من أفغانستان.

العین الإسرائیلیة
لکن الکاتبة قد فتّحت عیوننا، فی الوقت نفسه، على واقع شدید الخطورة فی منطقة البحر الأحمر، نادراً ما توقف عنده الباحثون والسیاسیون ألا وهو الوجود الإسرائیلی فی المنطقة والخطط التی وضعتها الدولة العبریة من أجل تحویل البحر الأحمر «بحیرة یهودیة». وأظهرت الأبحاث التی أجرتها المؤلفة أن إسرائیل قد خططت منذ عام 1948 للهیمنة على البحر الأحمر من خلال رؤیة استراتیجیة ترمی إلى التفلت من محاصرة العرب لها تمهیداً لمحاصرتها هی لهم. وکان دیفید بن غوریون، وهو أول رئیس حکومة للدولة العبریة، صرح عام 1948 بأن على إسرائیل (السیطرة على نقاط استراتیجیة فی البحر الأحمر هی ذات أهمیة قصوى بالنسبة إلى إسرائیل لأنها تساعدها على التخلص من أی محاولة لمحاصرتها وتطویقها، کما ستشکل قاعدة انطلاق عسکریة لمهاجمة أعدائنا فی عقر دارهم، قبل أن یبادروا إلى مهاجمتنا).
تحقیقاً لهذا الهدف احتلت إسرائیل عام 1949 قریة أم الرشراش المصریة على خلیج العقبة، ثم حولتها إلى میناء عرف بـ«میناء إیلات» بعد اتفاق الهدنة فی رودس لیکون ممراً تجاریاً حرّاً إلى المحیط الهندی. وصرح الجنرال إسحاق رابین آنذاک: لقد احتللنا القریة من أجل الحصول على میناء على البحر الأحمر یربط إسرائیل بالبحار والمحیطات الشرقیة... إن سلاحی الجو والبحر الإسرائیلیین سیؤمنان سلامة هذا الطریق، وعلینا أن نستعد لمستقبل تستطیع فیه أساطیلنا البحریة والحربیة تحطیم الحصار المفروض علینا، وأن نفرض حصاراً بدورنا على بعض الدول العربیة أقوى من الحصار الذی فرضته علینا. أی مطلوب منا تحویل البحر الأحمر إلى بحیرة یهودیة تدریجیاً.
وفی عدوان 1956، تحققت لإسرائیل حریة الملاحة فی مضائق تیران. وعلى الإثر، صرح بن غوریون: هدفنا هو السیطرة على سیناء بأکملها حتى قناة السویس وخلیجه، وهذه السیطرة ضروریة لتأمین مصالحنا فی البحر الأحمر، ثم کانت حرب 1967 فاحتلت إسرائیل سیناء وجزیرتی صنافیر وتیران اللتین تنازلت عنها مصر أخیراً إلى السعودیة. وما إن بسطت سیطرتها على الجهة الشرقیة للمدخل الشمالی للبحر الأحمر، حتى راحت تعمل لوضع یدها على الجهة الغربیة بغیة الوصول إلى الجهة الجنوبیة حیث باب المندب.
وفی خطوة هی الأخطر، استطاعت إسرائیل إقناع اریتریا أن تؤجرها جزیرة دهلک لتقیم علیها قاعدة عسکریة هی الأولى خارج فلسطین المحتلة. ولم تلبث معاهدة کامب دیفید أن أمنت لها الجهة الغربیة، کما أفادت تل أبیب لاحقاً من استقلال اریتریا عام 1993 لتجدد عقد إیجار جزیرة دهلک وتغری سلطاتها بتأجیرها جزیرتی حالب وفاطمة وتقیم قاعدة عسکریة على کل منهما. لم تکتف إسرائیل بهذه الجزر الثلاث، بل أقنعت المسؤولین الاریتریین بتأجیرها جزیرتین أخریین هما سنشیان التی نصبت فیها راداراً عملاقاً، ومیرا القریبة جداً من جزیرة بریم الیمنیة. وأتبعت ذلک باتفاق مع الحکومة الاریتریة قضى باعتراف اسمرة بوجود عسکری إسرائیلی کامل فی البلاد، وبحریة الحرکة لـ«الموساد» على کامل أراضیها. ویقدر عدد الجنود الإسرائیلیین فی اریتریا بثلاثة آلاف مجهزین بأحدث الأعتدة یحرسون راداراً ضخماً لمراقبة السفن التی تعبر باب المندب من أعلى قمة على جبل امبا سویرا، التی یبلغ ارتفاعها 3000 متر عن سطح البحر. بذلک، تصبح إسرائیل سیدة البحر الأحمر والمشرفة على الحرکة فی باب المندب الذی بات عملیاً امتداداً لـ«أرض المیعاد» للشعب الیهودی الذی یزعم أنه (شعب الله المختار).
إدمون صعب

 


Page Generated in 0.0056 sec