printlogo


رقم الخبر: 122826تاریخ: 1397/4/21 00:00
ثلاثة فیالق تستهدف المقاومة



«شبکة الفساد فی هذه البلاد أکبر من شبکة الصرف الصحی!!» ـ جلال عامر
لقد عجزوا فی الحروب التقلیدیة أن یهزموا المقاومة، فعلى أسوار قلعتها انکسرت غزواتهم مدحورة. أما الآن فإنهم یستهدفون أحجار السور ومدامیکه، وما وراء السور وهنا مکمن الخطر!!. إنها ثلاثة فیالق تستهدف المقاومة أقلها شأناً الحصار المالی، فقد تأقلمت معه إلى حد غیر قلیل، ولعل ما ساعدها أن «مالیة المقاومة» لا تأخذ مسارات نمطیة، وهی منذ البدایة تحطاط للأمر لأن موضوع المال قرینة وقناة تتصل بالمسائل السریة والحیویة، أما الأثنین الخطیرین الفتن، والفساد فهما موضوع نقاشنا.
الفتن
هذه الأحداث التی ظهرت ولفتتنا، فی بیئة المقاومة، أو حولها ماهی إلا استعادة لروح الجاهلیة فی أشکالها الصحراویة حیث القبلیة، بکل إفرازاتها المقیتة. إنها العصبیة التی نهى عنها الإسلام وحاربها باعتبارها من قیم الجاهلیة الأولى؛ والشواهد على هذا کثیرة جداً، منها على سبیل المثال قوله تعالى ذاماً أهل الحمیة لغیر الدین: «إِذْ جَعَلَ ٱلَّذِینَ کَفَرُواْ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْحَمِیَّةَ حَمِیَّةَ ٱلْجَـٰهِلِیَّةِ»- «الفتح:26»، وجاء عن النبی (ص): «لیس منّا من دعا إلى عصبیة، ولیس منا من قاتل على عصبیة، ولیس منا من مات على عصبیة».
مع کل ما سبق عمل الإسلام ونبیه العظیم لتبدید هذه القبلیة المتأصلة فی تکوین الشخصیة العربیة، والتی ظهرت علاماتها الأولى بُعید وفاته مباشرة، وتداعت حتى ألت إلى ملکیة لبنی أمیة، ثم صارت هذه العصبیة  فیما بعد سبباً من اسباب خراب «الدولة الأمویة» تتجاذبها صراعات رجالاتها المنقسمین بین قیسی ویمنی من مواریث عصر ما قبل الإسلام  لتقوم على انقاضها «الدولة العباسیة» على ذات النسق، ومن المفارقات إن هذه العصبیة «القیسیة – الیمنیة» امتدت حتى القرن الثامن عشر وتمظهرت بصراع «درزی ـ درزی» فی جبل لبنان، بلغ ذروته الدمویة فی «معرکة عین دراة» بین الفریقین، وبجرأتها أُضعفت «الزعامة الدرزیة» على جبل لبنان لتنتقل إلى «الموارنة»!. ثم منها إلى الفتنة الدرزیة ـ المسیحیة التی کانت وراءها دول اجنبیة، وبنتیجتها خسر لبنان استقلاله واصبح تحت وصایة دولیة!. وهذا درس جدیر بنا ان نتأمله، وان تستعیده ذاکرتنا من باب واحد وهو باب الحکمة طلباً للعبرة  بالنظر إلى أن النعرات الطائفیة هی الوجه الآخر للعصبیة القبلیة، والعصبیة القبلیة باتت جسراً یعبر منه أعداء الأمة !.
تغص مراکز الأبحاث فی الغرب بکتب ومدونات المستشرقین الذین زاروا بلادنا وبعضهم أقام فیها.. درسونا بدءاً من ترجمة القرآن الکریم کما فعل البریطانی جورج سیل فی القرن 18 والأبحاث الإسلامیة للهولندی ادریانوس ریلند فی ذات القرن. حتى الرحالة السویسری یوهان لودفیغ بورکهارت الذی عمل لصالح بریطانیا وجال فی بلاد الشام ومصر والحجاز، وتشهد کتبه وصفاً دقیقاً لأحوالها بما فیها مسار القوافل وأماکن الاستراحات وعدد الحوانیت. والخلاصة ان الغرب قبل أن یأتی بلادنا استعمارا او انتداباً درسنا اجتماعیاً ونفسیاً وجغرافیاً وتاریخیاً. ومن خلال هذا الجهد العلمی حدد المفاتیح ونقاط الضعف، واخترق منها، وما زال للأســــف!
والمؤامرة علینا إنما مرت بین ایدینا ومن فوقنا ومن تحتنا وعلى جنباتنا!، وساهمت بها حکومات ما بعد الاستقلال من حیث لا تدری من خلال واقعها الذی ما انفک یُراوح بین الفساد وبین قصور الرؤیة أو ضعف البصیرة فی أحسن حالاتها، وفی کلا الحالین ظل الغائب الکبیر إنماء الإنسان وهو عصب التنمیة الحقیقی ولبنتها الأولى، وهذا أضعف مجتمعاتنا وأبقى امراض الماضی فی حالة سبات ـ فی أحسن الأحوال ـ حتى جاء من ایقظها. فنهضت  فوجدت المناخات الخصبة والتی استولدها انتشار الفقر وغیاب الحریات، فانتشرت کما النار فی الهشیم.
الفســـاد
اواخر الحقبة السوفیاتیة اکتشفت مخابراتها (KGB) ان احد المدراء لمجمع صناعی وبحثی کبیر تصله دفعات مالیة بالدولار تودع فی حساب سری باسمه فی احد المصارف السویسریة، شددوا المراقبة علیه على أمل ان یجدوا مستمسکاً یدینه، ومع ذلک لم یجدوا ما یمسه فیما تواصلت الدفعات على حسابه بین حین وآخر!. حتى نزلت علیه دفعة کبیرة غیر مسبوقة، عندها قرروا القاء القبض علیه ومواجهته بهذه القرینة الوحیدة طلباً للتفسیر، اعترف الرجل بعلاقته بـ (CIA)، وبان مهمته کانت بکل بساطة استبعاد الناجحین عن مواقع القیادة والأذکیاء عن الأبحاث، او إهمال نصائحهم. هذه الواقعة تغنی عن المزید، وفیها دلیل ساطع على أن الفساد والإفساد من ادوات القوة الناعمة لإضعاف بالخصم بما یسهل معه هزیمته بأقل التکالیف. والفساد هو اخطر الأسلحة لیس وحسـب من حیث نتائجه المباشرة فی المکان الذی یحل فیه، بل فی أنه یتکفل بتکبیر نفسه، من حیث انتشاره السریع کما السرطان ضاربا مناعة المجتمع اومنظومته القیمیة، لیغدو بعدها الفساد کما حاله فی لبنان «طریقة حیاة» على حد تعبیر الدکتور سلیم الحص.
مربط الخیل
لعل من اصعب ما تواجهه المقاومة انها محاطة بهذا الجو السیاسی والإجتماعی المنخور، ما یفرض علیها اضعافاً مضاعفة من الأعباء، لیس وحسب من حیث ضرورة مضاعفة الحذر تحصیناً لنسیجها الحزبی فهذا یظل بحکم تراکم الخبرات أمرٌ مقدورٌ علیه، وإنما الأساس أن المقاومة محاطة بجو غیر مناسب موضوعیاً، فیما المقام یستوجب مجتمعا محصناً؛ فإذا کانت «الجیوش تزحف على بطونها»  کما یقول نابلیون بونابرت فإن هذا یسری على المجتمعات إذا قُدٍّر لها ان تخوض حروبا طویلة الأمد وإلى أجل غیر مسمى. غیر أن الفساد بأنیابه ومخالبه یستنزف البلد ماسکاً بمقدراته فیما الشعب یلهث وراء تأمین لقمة العیش، وهی «الحالة المثالیة» لتفریغ المجتمع من محتواه الوطنی بتحویله إلى کتل بشریة اسیرة حاجاتها البهیمیة وهذا هو المطلوب للبنانیین بکل طوائفهم، بل للعرب متى نظرنا فی أحوال العروبة البائسة.
إقلاق الفساد هو البدایة، بما یحد من انتشاره نسبیاً.. أما الحلول الکبرى فإنها مسألة مرتبطة بالتوازنات فی المنطقة، منطلقین من حقیقة ان مرابط «خیل» الساسة فی لبنان لیست لبنانیة فی الأعم الغالب.
قلنا «خیل»، ضنینین بلبنان کی لا یکون قافلةً من جِمال!.
لؤی توفیق حسن

 


Page Generated in 0.0051 sec