printlogo


رقم الخبر: 122824تاریخ: 1397/4/21 00:00
العرب یعودون إلى حروب «داعش والغبراء»!



تنظر إلى خریطة الصراعات فی ما کان یسمى، من باب التمنی، «الوطن العربى»، فتخاف من حاضره «المبشر» بغد أسوأ، ولیس بذلک الغد الأفضل الذی حلمت به أجیال عبر القرن العشرین.
مضت أیام الزهو بالهویة العربیة الجامعة، وحلم الوطن العربی الکبیر المتطلع إلى وحدته بثقة الانتماء إلى الأرض وتاریخها وتضحیات أجیالها من أجل الحق بغد أفضل یلیق بکرامة إنسانه.
هجرت الأجیال الجدیدة أحلام الآباء والأجداد: الوحدة والحریة والاشتراکیة... واندثرت معانی کلمات کانت تبشر بالغد الأفضل من مثل «العروبة» و«المصیر المشترک» وصولا إلى الوحدة التی یتجاوز بها الأقوام التی تستوطن هذه الأرض لتثبت حقها فی صیاغة حیاتها بما یتناسب مع قدراتها وتضحیاتها.. ولیس فقط مع أحلامها. حلت الخصومات والقطیعة التی وصلت أحیانا إلى حد الحرب محل رایات الأحلام الزاهیة وتوکید إرادة الأمة بالتلاقی من حول المصیر المشترک.
تفرق العرب أیدی سبأ. ذهب بعضهم إلى الغرب الذی احتل بلادهم وصادر أحلامهم فی غدٍ أفضل، وقاتلوا إخوانهم شرکاء المصیر... وذهب بعض آخر إلى «الشرق الشیوعی» لعله یجد حلیفا یسانده فی مواجهة المشروع الإمبریالی.. وعندما سقط النظام الشیوعی ومعه الاتحاد السوفیتی والمعسکر الاشتراکی غرقت الأنظمة العربیة فی الضیاع وعادت إلى موقع التابع للغرب الأمریکی – الآن – فی غیاب إرادة التحرر والصمود وبناء الذات فی قلب الصعب. تحول النفط (ومن بعده الغاز) من عنصر قوة إلى سبب جدید من أسباب التبعیة ومصادرة القرار العربی الحر.. خصوصا بعد جریمة اغتیال الملک فیصل بن عبدالعزیز آل سعود عندما حاول استخدام هذا السلاح المرصود، لمصلحة الأمة العربیة وحمایة مصالحها. بل إن الغاز الذی استولد من شبه جزیرة فقیرة تلعب السیاسة وکأنها لعبة قمار، «دولة تنفرد بقرارها فتخرج على الإجماع العربی وتعترف بدولة العدو الإسرائیلی، ثم تتمادى فی غرورها فتسلم للأمریکیین قاعدة العدید فیها، ومن بعدهم ومعهم تسمح لترکیا أردوغان بإقامة قاعدة عسکریة ثانیة.. وتنفر أکثر فتشتبک مع دول مجلس التعاون، بعدما کانت قد قاتلت سوریا بالإخوان المسلمین الذین احتضنتهم مع شیخهم القرضاوی فاشتبکت مع مصر.
وکان بدیهیا أن تستفید الإدارة الأمریکیة، ثم «السلطان أردوغان» من هذا الاشتباک الخلیجی، بل الانقسام العربی، فیتم احتضان شیخ قطر وحمایة نهجه التقسیمی بل التخریبی، والذی یخدم بالدرجة الأولى العدو الإسرائیلی وهو العنوان الأبرز للمصالح الأمریکیة فی المنطقة العربیة.
***
بالمقابل فإن الطموح القطری یضاف إلى الاشتباک مع مصر ثم سوریا والاشتباک مع العراق بإرسال ثلة من جنودها على شکل «صیادین».. فلما اعتقلتهم بغداد وسجنتهم فعلت الدوحة کل ما بوسعها للإفراج عنهم، ما لم یتم إلا بعد سنتین أو یزید، واعترافات صریحة تکشف بعض مخططات التوسع القطری.
***
ذهبت أیام الطموح إلى الوحدة العربیة وحمایة المصالح المشترکة للأمة، وجاءت أیام شهدت تآمر العرب على العرب، وبخاصة عرب النفط والغاز على «العرب الفقراء»، مصر وسوریا مع محاولة الهیمنة على لبنان ودمجه فی مخطط التوسع.
ویمکن لخبراء الاقتصاد فی مصر أن یحاضروا فی تأثیر الحصار الذی فرضته دول الغاز والنفط للهیمنة على القرار السیاسی فی القاهرة.
أما فی سوریا فلا داعی للمحاضرات، بل إن شهود الحال موجودون عن الأدوار المباشرة التی لعبتها بعض هذه الدول، فی الحرب فی سوریا وعلیها، وتغذیة «المعارضات» متعددة الولاء والاتجاه، بالمال والسلاح والتدریب والإیواء وتوفیر المنابر الإعلامیة لها، وتحریض الکفاءات على الهجرة، وتنظیم تلک المعارضات فی جبهة (مع أنها جبهات فیها من ولائه لترکیا، ومن هو رهینة السعودیة، ومن یتخذ من قطر مقرا ومصدر تمویل وتسلیح..إلخ).
بسحر ساحر تحولت دول النفط والغاز إلى مصدر تمویل وتسلیح لقوى الاعتراض فی العدید من البلاد العربیة، وصولا إلى لیبیا البلا دولة.
تمددت نیران الفتنة فی الأرض العربیة.. وکان من السهل نسبة بعضها إلى إیران لإضفاء طابع مذهبی علیها، وطمس تنامی العلاقة مع العدو الإسرائیلی.. والفتنة السنیة – الشیعیة لا تحتاج إلى جهود شاقة لإشعالها سواء فی العراق أو حتى فی سوریا، فضلا عن البحرین، وأخیرا فی الیمن (بین الزیود والشوافع).
والفتنة هنا تطمس الوجه السیاسی للمشکلة، وتجعل من احتلال الیمن، مثلا، نصرة للشوافع على الزیود، ومن الفتنة فی العراق نصرة للسنة على الشیعة، ومن الفتنة بالحرب فی سوریا وعلیها نصرة للسنة على العلویین (ومعهم الإیرانیون).
وهکذا تطمس حقیقة الصراع، وتغلب الطائفیة والمذهبیة على الجوهر السیاسی، ویضیع الناس فی متاهات الفتنة!
وماذا یرید العدو الإسرائیلی أکثر تدمیرا لوحدة الأمة ومستقبل شعوبها من حروب الأشقاء هذه التی لا أساس لها – بالمعنى – العملی، فضلا عن وحدة التاریخ والجغرافیا والمصیر – للتقدم إلى الهیمنة على الوطن العربی کله «من محیطه الهادر إلى خلیجه الثائر» کما کان الهتاف الشعبی أیام زمان.
***
کل انقسام عربی قوة لهذا العدو.
وکل خلاف عربی – عربی یفتح مزیدا من الأبواب أمام هیمنة هذا العدو..
ومن حق نتنیاهو أن یقف أمام حلیفه الأمریکی متباهیا بأن إسرائیل قد أسقطت الحصار العربی، بل وهی تکاد تسقط – مع واشنطن وبعض العواصم العربیة – تعبیر «الوطن العربی» الذی تفسخ الآن وتحول إلى دول فقیرة وضعیفة وإلى دول غنیة بدأت تبرز عندها الآن نزعة إمبریالیة. لقد سقطت الأخوة وحلت محلها المصلحة. وما الفرق بین استعمار غربی واحتلال إسرائیلی وبین هیمنة أهل النفط والغاز على قرار أشقائهم الفقراء.
لم تعد العروبة هویة جامعة.
طلال سلمان


 


Page Generated in 0.0052 sec