printlogo


رقم الخبر: 122823تاریخ: 1397/4/21 00:00
دلونی على شیء أنتقد به إیران

طلب منی بعض الفضلاء المحترمین الحریصین على مصلحتی أن أکتب مقالا ولو قصیرا فی نقد الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة، ونعتها بالأوصاف التی تعودنا على سماعها من الکثیر من الإسلامیین، کوصفها بالصفویة والمجوسیة والامبراطوریة الفارسیة والعمالة لإسرائیل وأمریکا وغیرها من الأوصاف.. ووعدنی أنی إن فعلت ذلک، فستلغى کل التهم التی أتهم بها، والتی تقف بینی وبین الکثیر من مصالحی، وأخبرنی ـ وهو فی غمرة حماسته ـ أنی إن فعلت ذلک، فإن قلمی سیوضع فی المزاد العلنی، وقد یشتریه بعض الأمراء، وقد أصیر حینها صاحب قصر کقصر القرنی، أو صاحب ثروة کثروة القرضاوی وحسان وغیرهما.
کان العرض مغریا جدا، تتلهف له النفوس الظائمة، والغرائز التی تبتهل کل فرصة، وتقتنص کل سانحة.. لکنی بعد البحث الطویل لم أجد کلمة واحدة یمکننی أن أشتم بها تلک القطعة الکریمة من بلاد الإسلام، والتی کانت فی کل تاریخها رمزا للحضارة والرقی والتواصل الإنسانی.
لهذا کتبت هذه الرسالة المفتوحة لکم معشر القراء الکرام عساکم تشارکوننی فی البحث عن أشیاء ذات بال یمکننا أن ننتقد بها هذه الجمهوریة، وتنالوا لذلک منی الثناء الجمیل مع بعض العطاء الذی قد یصلنی عندما یوضع قلمی فی المزاد العلنی.
وأرجو فقط ألا تذکروا لی ذلک الوصف الذی مججناه، وهو وصفها بـ [المجوسیة]، والذی لا یقبله إلا العقول المغرر بها، فأنتم تعلمون أن فارس منذ دخلت الإسلام لم تخرج منه، وأن رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم أخبر بذلک، بل أخبر أن (الإیمان لو کان عند الثریا لتناوله رجال من فارس)([106]).. ولو أننا قلنا بذلک، فستصبح أکثر ثروتنا فی التفسیر والحدیث والفقه واللغة وغیرها مصادر مجوسیة مشکوک فیها، لأن أکثر العلماء کانوا فرسا، أو لهم علاقة بالفرس. وأرجو ألا تذکروا لی کذلک وصفها بالامبراطوریة الفارسیة، فأنتم تعلمون أن الکثیر من الدول التی حکمت إیران کانت دولا عربیة ابتداء من بنی أمیة وبنی العباس، وقد حکمهم فی فترات کثیرة إلى العصر الحالی رجال من ذوی أصول عربیة، ولم یستکبروا علیهم، ولم یطالبوا برحیلهم، ولم یطالبوا بعودة کسرى، ولا أبناء کسرى.
وأرجو ألا تذکروا لی کذلک وصفها بـ [الصفویة]، فالدولة الصفویة کانت مملکة، وإیران الحالیة جمهوریة، والصفویة کانت تخضع لحکم الفرد، وإیران الحالیة تخضع لحکم المؤسسات، والصفویة کانت مرحلة تاریخیة، وإیران الحالیة واقع نراه ونسمع عنه.. ولو أننا طبقنا هذا الوصف، لوصفنا ترکیا بالعثمانیة، ووصفنا مصر بالفاطمیة والممالیک، ووصفنا الشام بالأیوبیین والأمویین.. وهکذا لن نترک بلادا إلا ونجد فی تاریخها ما یقبل، وما یرفض.
فلذلک دعونا من هذا الوصف وما یتتبعه من کون الصفویین فرضوا المذهب الشیعی على الإیرانیین، فأنتم تعلمون أیضا أن الأیوبیین فرضوا المذهب الشافعی، والسلاجقة فرضوا المذهب الأشعری، والمأمون فرض المذهب المعتزلی، والمتوکل فرض المذهب الحنبلی، وابن عبد الوهاب ومن معه من آل سعود فرضوا المذهب السلفی.. فلذلک لا ترموهم بمثل هذه الحجارة، فکل البیوت مبنیة من زجاج.
وأرجو ألا تذکرو لی أیضا ما یسمونه بتصدیر الثورة، فأنتم تعلمون أن العالم مفتوح، وأن کل ثورة ناجحة تصدر، رضی أصحاب الثورة أو لم یرضوا.. فثورة تشی جیفارا صدرت ولا تزال تصدر.. وثورة تونس وحرق البوعزیزی نفسه صدرت.. وصار الکل یحرقون أنفسهم.. ولذلک لا داعی لهذا الوصف، واتهام إیران به.. فهی لم تفعل سوى أن خرجت من عباءة الشاه الذی کان عبدا لأمریکا، وکان لذلک تأثیره الکبیر فی الشعوب التی لا تزال تخضع لعبودیة الشاهنشاهات.
ولا تذکروا لی کذلک التمدد الشیعی.. فأنتم تعلمون أن الکل یتمدد.. فهناک قنوات تنشر المسیحیة، وأخرى تنسر المارکسیة، وأخرى تنشر الوجودیة.. حتى عبدة الشیاطین لهم وسائلهم التی ینشرون بها أفکارهم.. وحتى أنتم أیضا تنشرون کل ما تفکرون فیه، ولا تدعونه حبیس عقولکم؛ فلا تلوموهم على شیء أنتم تفعلون مثله.
ولا تذکروا لی عدم وجود مساجد للسنة فی طهران.. تلک الأیقونة التی تردد کثیرا، فأنتم تعلمون أن المساجد لله، وأنه لا یصح أن توضع مساجد خاصة بکل مذهب، وتعلمون أیضا أن المساجد الإسلامیة فی کل البلاد لا تفرق بین مرتادیها، وإلا عدنا لزمن التعصب الذی کانت تقام فیه أربعة محاریب، لکل مذهب محرابه الخاص به.
ولا تذکروا لی کذلک وصفها بالانحلال الأخلاقی، فأنتم تعلمون أن الدولة الوحیدة فی العالم التی تفرض الحجاب على کل من دخلها مسلمة وغیر مسلمة هی هذه الجمهوریة، وأتحداکم أن تجدوا صورا عاریة فی محلاتها وشوارعها، أو تجدوا مشاهد خادشة للحیاء فی أفلامها ومسلسلاتها، وقارنوا ذلک إن شئتم بنظیراتها من المسلسلات والأفلام الترکیة التی تعتبرونها نموذجا للدولة الإسلامیة السنیة.
ولا تذکرو لی کذلک العمالة لأمریکا وإسرائیل، فأنتم تعلمون الحقد الأمریکی والإسرائیلی على إیران.. وتعلمون أن ذلک الحقد لم یبق حبیس الصدور، وإنما خرج إلى الواقع عبر الحرب التی فرضت علیها لثمان سنوات کاملة، وبعدها ذلک الحصار المجحف، والذی لا یزال مستمرا إلى الیوم.. ولذلک لا یمکننی أن أکذب عینی، وأصدق أوهامکم وخیالاتکم وظنونکم.
ولا تذکروا لی فی هذا السیاق شراء الإیرانیین للسلاح من السوق السوداء الإسرائیلیة، فأنتم تعلمون أنه لا حرج فی ذلک، فالمقاومة الفلسطینیة کانت تشتری أسلحتها من السوق السوداء الإسرائیلیة.. وهکذا کل البلاد تفعل أی شیء لأجل الحفاظ على أمنها القومی خاصة إذا حوصرت، ولم یبق بیدها حیلة.
ولا تذکروا لی تدخلها فی سوریة، فأنتم تعلمون أنها حلیف قدیم لها، وقفت بجانبها أیام الحرب العربیة والأمریکیة المفروضة علیها، وأنها لم تذهب لمساندة سوریا وشعبها إلا بعد أن اجتمعت کل جیوش العالم ومرتزقتها على حربها، وأنها لم تفعل ذلک إلا بناء على طلب من الحکومة الشرعیة المعترف بها عالمیا.. وأنها مع ذلک کله لم ترسل سوى خبراء، ومتطوعین محدودین، ولو أنها أرسلت جیشها أو حرسها الثوری لما بقی الآن إرهابی واحد فی سوریة.
لذلک دعونا من کل هذه الأوصاف.. فقد بحثت فیها جمیعا، وابحثوا لی عن غیرها، وأعدکم أن بعض الریع الذی یصلنی سیصلکم.. لکن فقط احذروا أن تکونوا من الذین یبیعون ریع الآخرة بریع الدنیا، ویتثاقلون إلى ضیق الأرض، وینسون سعة السماء.
الدکتو نور الدین أبو لحیة

 


Page Generated in 0.0054 sec