printlogo


رقم الخبر: 122821تاریخ: 1397/4/21 00:00
ماذا یعنی تجاهل سوریة عرض نتنیاهو؟




– ما إن وضعت الحرب فی الغوطة أوزارها ورسمت مشهد سوریة الجدید حتى دخلت القیادات والإعلام فی کیان الاحتلال فی خطاب سیاسی إعلامی جدید. واضح أنه مدروس ومنسّق، وواضح أنه یشکل خلاصة قراءة المسار الافتراضی المقبل لسوریة. مسار لا مکان فیه لأوهام تغییر موازین القوى. مسار ستکون الید العلیا فیه للدولة السوریة وجیشها ورئیسها. مسار لا تنفع معه المکابرة والإنکار لجهة مصیر مشروع الحرب على سوریة وإصابته بالفشل، والخطاب الجدید یقوم على ثلاثیة، رکیزتها الأولى إشهار هذا الاعتراف بالحقیقة السوریة، حقیقة تدحرج الانتصارات السوریة واستحالة صدّها، ورکیزتها الثانیة إعلان الاستعداد للعودة إلى تفاهم فک الاشتباک الموقع عام 1974 والذی أسقطته «إسرائیل» علناً وعمداً لاستبداله بخطّتها الجاهزة لبناء حزام أمنی، بالتعاون مع تنظیم القاعدة بفرعها السوری المسمّى جبهة النصرة، کقوة صلبة متماسکة عقائدیة تراهن «إسرائیل» على صناعة استقرار حدودی لعقود بوجودها، وتشکل درعا قلبها بعد طول استثمار على التلاعب بأوراق الجنوب السوری بشراکة إسرائیلیة سعودیة قطریة أمیرکیة بریطانیة کتب عنها الکثیر وسیکتب عنها أکثر. أما الرکیزة الثالثة فکانت ربط مشروع تسویة تنتهی بانتشار الجیش السوری بالتراضی فی الجنوب باشتراط یتراوح بین الانسحاب الکامل لإیران وحزب الله من سوریة، والانسحاب من الجنوب بعمق یتراوح بین 25 و40 کلم. وحده الأدنى عدم مواکبة الجیش السوری فی المناطق التی سیدخلها بموجب التسویة بوحدات من حزب الله أو من إیران.
– تزامن وتکثف الحراک الإسرائیلی مع محاولات عسکریة واضحة لتصعید الغارات، والتهدیدات المعلنة والمحددة باستهداف الحضور الإیرانی وتسلیح حزب الله، وبلغة سقفها أعلى بکثیر مما کشفته المواجهات المتراکمة عبر سنوات الحرب السوریة، من حدود القدرة الإسرائیلیة، بصورة أراد قادة الکیان فیها استعارة الأسلوب السوری فی الذهاب إلى حافة الهاویة تفاوضیاً، تحت شعار إما قبول العرض المفتوح أو المواجهة المفتوحة. ومع تجاهل الدولة السوریة کلیاً للعرض الإسرائیلی، رغم تبنیه أمیرکیاً ودمج الانسحاب من القاعدة الأمیرکیة فی التنف کجزء من العرض، إدراکاً بأن الوظیفة الجوهریة للوجود الأمیرکی تندرج تحت عنوان تخدیم مشروع الأمن الإسرائیلی، وارتضاء ضمنی لمعادلة ستشکل نموذجاً قابلاً للتکرار فی الشمال السوری، وسعیاً للحصول على شراکة روسیة فی تفعیل الخیار التفاوضی تحت هذا العنوان. وبقیت الدولة السوریة تتحدّث بلغتها الخاصة عن مفهوم التسویات التقلیدی وهی تتقدّم نحو الجنوب بحشودها، من دون ذکر ما یتصل بجواب ترصد «إسرائیل» بین السطور لقراءة أی إشارة، حول مستقبل الوضع على الحدود بعد انتشار الجیش السوری وزوال أیّ دور للجماعات المسلّحة. وعندما مرّ من الوقت ما یکفی لمنح فرص القبول بشروط التسویة من الجماعات المسلحة، بدأ الهجوم العسکری السوری، غیر آبه بتهدیدات علنیة أمیرکیة صادرة عن وزارة الدفاع تحذّر من هزّ الوضع فی الجنوب السوری.
– جاءت الانتصارات المبهرة بسرعتها ونوعیتها، لصالح الجیش السوری، واصل الإسرائیلیون خطتهم المثلثة، الاعتراف بالنصر السوری، وربط تسهیل انتشار الجیش السوری بعدم مشارکة حزب الله والإیرانیین. وخرج رئیس حکومة الاحتلال هذه المرة یجدد العرض بالعودة لاتفاق فک الاشتباک، لکن سوریة لم تعلّق ولم تقل کیف ستتصرّف عندما تصل حدود الجولان، وتقف وجهاً لوجه مع قوات الاحتلال، لکن الإشارة الوحیدة التی قدّمتها سوریة، هی مشارکة حزب الله والقوات الردیفة التی یقودها مستشارون إیرانیون فی معارک الجنوب إلى جانب الجیش السوری. وفی ظل دعم روسی ناری توقع الأمیرکیون والإسرائیلیون غیابه فی جبهة الجنوب. وخابت آمالهم کما فی کل مرة یقرّر الجیش السوری روزنامة معرکة تحریر جدیدة. وجاءت الغارة الإسرائیلیة على مطار التیفور وردّت سوریة، وربما تتکرر الغارات ویتکرّر الرد ویکون أشدّ وأقوى. وقد بات واضحاً أن سوریة تتقصّد الغموض تجاه مستقبل جبهة الجولان.
– سیبقى الإسرائیلیون والأمیرکیون على أعصابهم وقتاً طویلاً لمعرفة ماذا ترید سوریة. فربما یکون للتجاهل سبب مباشر یتصل بالبعد السیادی لمفهوم الدولة السوریة، حیث لا یمکن القبول بإخضاع انتشار الجیش السوری فی الجغرافیا السوریة بمساومات وشروط تجعل «إسرائیل» شریکاً فی أمن جزء من سوریة، وشریکاً فی بسط السیادة السوریة. وتصرّ سوریة على المضی بالعمل العسکری وصولاً لحدود الجولان لاسترداد السیادة بقرار سوری وقدرة سوریة، وعلى الآخرین، وخصوصاً «إسرائیل» إما المواجهة أو الانکفاء، ولکن ماذا لو لم تقل سوریة شیئاً حتى بعد بلوغ حدود الجولان؟ عندها على «إسرائیل» أن تنتظر أیضاً. فربما یکون للاستمرار فی التجاهل سبب سیادی آخر لا یقل أهمیة، وهو أن بعض الجغرافیا السوریة لا یزال محتلاً فی الشمال، ولن تلتفت سوریة لبحث مستقبل التفاهمات الحدودیة إلا بزوال کل العبث الحدودی أمیرکیاً کان أم ترکیاً، وخصوصاً إسرائیلیاً. لکن ماذا لو أنهت سوریة بسط سیطرتها شمالاً وواصلت التجاهل، هنا على الإسرائیلیین أن یبدأوا بالقلق، لأنه ربما تکون سوریة قد قرّرت أن تضع مصیر الجولان المحتل على الطاولة قبل الذهاب لخطة إعادة الإعمار، توفیراً لخسائر الحروب على العمران واستثماراً للحال المادیة والمعنویة والتسلیحیة والمیدانیة للجیش والحلفاء، وطالما أن «إسرائیل» هی مَن أسقط فک الاشتباک، فالبحث عن بدیل یقوم على المعطیات الجدیدة یرتبط بحسم وضع الاحتلال فی الجولان.
 


Page Generated in 0.0056 sec