printlogo


رقم الخبر: 120815تاریخ: 1397/3/24 00:00
العید لمن خاف یوم الوعید
مفهوم العیـد فی الإسلام.. المعنى والدلالة

الحمد لله رب العالمین الذی أنعم على عباده بنعم کثیرة لا تعد ولا تحصى، وجعل للمؤمنین مواسم ومحطات تذکرهم بأمر الآخرة والأولى،العید فی الإسلام فإنه یختلف اختلافاً کبیراً عن هذه الأعیاد ـ من حیث المعنى والدلالة ـ فالإسلام الذی یرى الإنسان جسماً وروحاً ومادة ومعنى، ویحاول التعادل بینهما والتکافؤ فیهما، ینسّق فی أعیاده بین المادیات والمعنویات، ویؤکد على أنه کما یستفید الإنسان من مظاهر العید المادیة، یستفید کذلک من الأمور الروحیة والمعنویة أیضاً.
إن العید فی نظر الإسلام هو الیوم الذی یتنازل فیه الإنسان عن بعض المادیات لصالح أموره الروحیة والمعنویة، وهذا العید الذی یأتی بعد مرور شهر کامل على تنازل الإنسان عن أهم الحاجات الجسدیة، والرغبات الشهوانیة والجسمانیة، وهی حاجته للطعام والشراب وما إلى ذلک من الأشیاء التی یمتنع عنها الصائم فی صیامه، فهو عید قوة الروح وسلامته، والسیطرة على الشهوات والرغبات، لکسب معنوی، وهو التعادل بین الروح والجسم، إضافة إلى الثواب الآخروی، وامتلاک الإرادة الصلبة فی مجال الطاعة لله عزوجل واکتساب فضائل روحیة عدیدة، مثل الإحساس بالفقراء ومواساتهم، والنزوع عن هوى النفس وشهواتها، وغیر ذلک.
فقد قال أمیر المؤمنین الإمام علی (علیه السلام): «إنما هو عید لمن قبل الله صیامه وشکر قیامه، وکل یوم لا تعصی الله فیه فهو یوم عید».
ومن الواضح أنّ هذا العید لا یخصّ إنساناً واحداً بعینه، وإنْ کان یعود علیه بالنفع والفائدة، بل إنّ هذا العید یشمل کل المجتمع، فآثاره عندنا عامة لا خاصة فقط، واجتماعیة لا شخصیة فحسب. العید شعیرة من شعائر الإسلام ومظهر من أجلِّ مظاهره.. تهاون به بعض الناس وقدموا الأعیاد المحدثة علیه.. إن یوم العید یوم فرح وسرور لمن طابت سریرته، وخلصت لله نیته.. لیس العید لمن لبس الجدید وتفاخر بالعدد والعدید.. إنما العید لمن خاف یوم الوعید واتقى ذا العرش المجید.. وسکب الدمع تائبا رجاء یوم المزید.
إن الأمة الإسلامیة تستعد فی هذه الأیام لاستقبال مناسبة عظیمة من مناسباتها، وهی عید الفطر المبارک. وقد قیل: من أراد معرفة أخلاق الأمة، فلیراقبها فی أعیادها. إذ تنطلق فیه السجایا على فطرتها، وتبرز العواطف والمیول والعادات على حقیقتها. والمجتمع السعید الصالح، هو الذی تسمو أخلاقه فی العید إلى أرفع ذروة. وتمتد فیه مشاعر الإخاء إلى أبعد مدى، حیث یبدو فی العید متماسکاً متعاوناً متراحماً، تخفق فیه القلوب بالحب والود والبر والصفاء.
إن العید فی دین الإسلام، له مفهومه الخاص، وله معناه الذی یخصه دون سائر الأدیان ودون سائر الملل والنحل.
إن العید فی الإسلام، غبطة فی الدین، وطاعة لله، وبهجة فی الدنیا والحیاة، ومظهر القوة والإخاء، إن العید فی الإسلام فرحة بانتصار الإرادة الخیرة على الأهواء والشهوات.
إن العید فی الإسلام، خلاص من إغواءات شیاطین الإنس والجن، والرضا بطاعة المولى. والوعد الکریم بالفردوس والنجاة من النار.
من تطغى علیه فرحة العید، فتستبد بمشاعره ووجدانه، لدرجة تنسیه واجب الشکر والاعتراف بالنعم، وتدفعه إلى الزهو بالجدید، والإعجاب بالنفس حتى یبلغ درجة المخیلة والتباهی. والکبر والتعالی.
وما علم هذا أن العید قد یأتی على أناس قد ذلوا بعد عز، فتهیج فی نفوسهم الأشجان، وتتحرک فی صدورهم کثیر من الأحزان.
قد یأتی العید على أناس، ذاقوا من البؤس ألواناً بعد رغد العیش، قد یأتی العید على أناس تجرعوا من العلقم کؤوساً بعد وفرة النعیم، فاستبدلوا الفرحة بالبکاء وحل محل البهجة الأنین والعناء.
فاتقوا الله أیها المسلمون فی عیدکم، لا تجعلوه أیام معصیة لله، لا تترکوا فیه الواجبات، ولا تتساهلوا فی المنکرات. لا یکن نتیجة عیدکم غضب ربکم علیکم. فإن غضب الله شدید، وعقوبة الله عز وجل، لا یتحملها الضعفاء أمثالنا.
اتقوا الله ـ أیها المسلمون ـ فی عیدکم، واجعلوه عید عبادة لله، عید طاعة، عید توبة صادقة، عیداً ترتفع فیه أخلاق الأمة. عیداً نثقل فیه میزان حسناتنا، عیداً نکفر فیه عن خطایا سابقة، ارتکبتها جوارحنا. قال الله تعالى:
 (قُلْ یاعِبَادِىَ ٱلَّذِینَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ یَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِیعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِیمُ.)
کذلک أیضاً یجب أن لا تُنسینا فرحة العید أن هناک آلاماً وجروحاً فی الأمة لم تلتئم بعد. هناک من أبناء الأمة الإسلامیة أناس أبریاء مظلومون. سوف یدخل علیهم العید، وما زالوا تحت وطأة الظلم والقهر والعدوان. کم من یتیم یبحث عن عطف الأبوة الحانیة. ویتلمس حنان الأم. وأبوه قد ذهب وقطعت أوصاله بسبب رجم القنابل. وأمه لا یعلم مصیرها إلا الله. سوف یحل العید بأمة الإسلام، وهناک من یرنو إلى من یمسح رأسه، ویخفف بؤسه. جاءنا العید، وهناک الألوف من الأرامل اللاتی توالت علیها المحن فقدت زوجها.
فأی عید هذا الذی نفرح فیه. وسهام الشر وسموم العدو یفتک فی أجسامنا من کل ناحیة. فحق على کل مسلم، حق على کل من فی قلبه شعلة إیمان مازالت متوقدة، أن یتذکر کل هذا وهو یستقبل عیده. حق على کل مسلم أن یتذکر هؤلاء، فیرعى الیتامى ویواسی الأیامى، ویرحم أعزة قوم قد ذلوا. کم هو جمیل أن تظهر أعیاد الأمة، بمظهر الواعی لأحوالها وقضایاها. فلا تحول بهجتها بالعید دون الشعور بمصائبها التی یرزح تحتها فئام من أبنائها. حیث یجب أن یطغى الشعور بالإخاء قویاً، فلا تنس أفغانستان ولا فلسطین، ولا العراق وأراضٍ للمسلمین أخرى منکوبة بمجاهدیها وشهدائها. بأیتامها وأراملها. بأطفالها وأسراها. کم هو جمیل أن نتذکر ونحن نستقبل العید أن هناک الألوف من الأسر المنکوبة، من یقدم ید الاستجداء والمساعدة، بلقمة طعام، أو کساء لباس، أو خیمة غطاء.
وأعیادنا تأتی بعد هذه المواسم، فالصائم یفرح لأنه صام رمضان وقامه، وتخرج من مدرسته العظیمة، وحصل على شهادة «التقوى» حین قال الله تعالى فی آیة الصیام (لعلکم تتقون).
إن یوم العید یوم شکر له على إنعامه، یوم یفرغ العبد فیه من أداء فریضته فیکافئه سیده ومولاه، لذا نقول لک أخی المسلم، هذا فهمنا للعید، إنه یوم طاعة فلا تجعله یوم معصیة.
جعلنا الله وإیاکم من عباده الصالحین وغفر لنا برحمته إنه هو الغفور الرحیم.


 


Page Generated in 0.0070 sec