printlogo


رقم الخبر: 120810تاریخ: 1397/3/24 00:00
الأزمة السوریة فی هزیعها الأخیر!



ما من شک فی أن استعادة الدولة السوریة السیطرة على عموم المناطق الداخلیة من التنظیمات المسلحة التی انکفأت إلى مناطق حدودیة تحظى بحمایات دولیة (ترکیا فی الشمال والولایات المتحدة فی الشرق والنفوذ الأمیرکی - الأردنی - الإسرائیلی فی الجنوب) تشکّل انتقالاً إلى مرحلة جدیدة ومختلفة فی الأزمة السوریة لا یمکن أن یتم التعامل معها بالوسائل والأسالیب التی استخدمت فی المناطق الداخلیة! (التفاوض بضغط الحصار والضغط العسکری المباشر).
لکن لا یمکن القول بإمکانیة الوصول إلى حلٍّ سیاسی للأزمة دون توفر صیغ ما للتعامل مع هذا الواقع الجدید، بما یؤدی إلى «تحریر» تلک المناطق وإعادة دمجها فی الخریطة الوطنیة السوریة، وهو أمر لا یمکن توقع حدوثه دون الدخول فی مفاوضات دولیة جدیة تشارک فیها هذه الدول الأجنبیة الراعیة لوجود المسلحین على الأراضی السوریة! فعلى أی أساس (أو مجموعة أسس) یمکن أن تنطلق مثل هذه المفاوضات؟
لا یمکن الدخول فی مضمون الإجابة عن هذا السؤال دون وضع الید على مساحة استراتیجیة یمکن أن تشکل منطقة تقاطع لمصالح هذه القوى الدولیة (أو الأساسیة منها على الأقل)!
من الواضح أن العودة إلى الخیار الأول (تدمیر سوریا والسیطرة على المنطقة) لم یعد متاحاً، فما هو الممکن؟ العمل بکل الوسائل والسبل على تقزیم انتصارات الطرف الآخر واحتوائها ضمن أدنى الحدود الممکنة.
بین الضغوط والإغراءات:
1-  الضغط على دمشق عبر المناطق الحدودیة المسیطر علیها واستثمار تلک السیطرة لفرض شروط وتنازلات سیاسیة وأمنیة وبنیویة قبل السماح بعودة تلک المناطق إلى حضن الدولة السوریة.
2 - استثمار الحاجة إلى إعادة الإعمار من أجل التسلل عبر الکثیر من الأطراف (لا سیما المقاولون ورجال الأعمال والقطاع الخاص والمصارف الإقلیمیة والدولیة وکذلک الدول الخلیجیة التی لا تتحرک إلا بأوامر من واشنطن).
      3 - تصعید الضغوط الدولیة والإقلیمیة والداخلیة على حزب الله فی لبنان (العقوبات المصرفیة ولوائح الإرهاب، والدعم المالی والسیاسی للقوى المعادیة للحزب وغیر ذلک) حتى التلویح بالحرب المباشرة على لبنان!
 4 - رفع مستوى الضغط الأمیرکی على إیران إلى أعلى مستوى ممکن کالانسحاب من الاتفاق النووی وفرض عقوبات جدیدة على طهران وعلى الشرکات الأوروبیة التی تتعامل معها.
 5 - تجدید الضغوط على روسیا والسعی لاستثمار النفوذ الصهیونی من أجل التأثیر فی قرارات موسکو سواء بالمساعی المباشرة المتکررة لبنیامین نتنیاهو والوزیر أفیغدور لیبرمان، أم بالتهدیدات غیر المباشرة من اللوبی الصهیونی فی الکونغرس والإدارة الأمیرکیة.
ما من شک فی أن هذه الضغوط مؤثرة بالفعل (وإن کان تأثیرها متفاوتاً هنا وهناک) لکنها فی جمیع الأحوال لا ترقى إلى مستوى إحداث تغییر استراتیجی لما وصلت إلیه موازین القوى على الساحة السوریة وامتداداتها الإقلیمیة والدولیة. إن أقصى ما یمکن الأمل فی تحقیقه هو الاحتواء، بصورة شدیدة الخصوصیة، فی ما یتعلق بالخطر الوجودی على الکیان الصهیونی، وهو أمر لم یعد بالإمکان تحقیقه إلا بالتلویح بتسویة دولیة إقلیمیة تربط ما بین الأزمة السوریة والأزمة فی المنطقة، على نحو یمکن أن تتقاطع فیه مصالح جمیع الأطراف:
• مقابل السماح بعودة المناطق الحدودیة إلى کنف الدولة السوریة ودمج أعداد کبیرة من المقاتلین السوریین فی صفوف القوات المسلحة السوریة بأطرها التنظیمیة الجدیدة وعلى قواعد وطنیة صارمة، یجری استئناف المفاوضات السوریة - الإسرائیلیة من أجل التسویة انطلاقاً من النقطة التی کانت قد توقفت عندها فی المراحل الماضیة.
• یجری البحث فی توفیر حل للمشکلات الحدودیة البریة والبحریة بین لبنان وإسرائیل یسحب ذریعة احتفاظ حزب الله بسلاحه، ما یوفر مناخاً ملائماً للتوصل إلى استراتیجیة دفاعیة جدیدة فی لبنان تتضمن احتواء الدولة لذلک السلاح بطریقة ما (یلاحظ هنا ما کشفه الرئیس نبیه بری قبل أیام حول الرسالة الأمیرکیة المفاجئة بشأن استعداد إسرائیل للتفاوض حول الحدود البحریة والبریة، بما فی ذلک موضوع مزارع شبعا!).
• الوصول بالتصعید الأمیرکی مع إیران إلى تسویة تسمح بالربط الجغرافی والاقتصادی بین طهران والمتوسط مقابل اندماج إیران فی عملیة السلام مع إسرائیل، خاصة فی الوقت الذی تدخل فیه الدول العربیة أفواجاً فی تلک التسویة (علماً بأن التهدیدات بالحرب مع إیران لا معنى لها بسبب هشاشة المصالح الأمیرکیة فی المنطقة تجاه مخاطر مثل تلک الحرب، کمضیق هرمز والمنشآت النفطیة الحساسة فی الخلیج (الفارسی) والمنطقة الشرقیة من السعودیة التی تقع جمیعها تحت مرمى حجر من الأراضی الإیرانیة!
• الدخول الجدی فی عملیة تسویة للأزمة الأوکرانیة تحرر روسیا من أعبائها ومن العقوبات الدولیة التی ترتبت علیها (یلاحظ فی هذا المجال أن مجلس الأمن الدولی قد توصل فی الخامس من حزیران الجاری، لأول مرة منذ وقت طویل، إلى بیان تبناه بالإجماع یطالب الحکومة الأوکرانیة بسحب الأسلحة الثقیلة من المناطق الشرقیة وتجدید الحوار بناء على اتفاقات مینسک (شباط 2015) التی کان الغرب قد انقلب علیها بعد یوم واحد من إنجازها، ورفض مذذاک العودة إلى ما تحتویه من تفاهمات!).
فی هذه المساحة من التهدیدات والضغوط والإغراءات، تقف حالیاً مآلات الأزمة السوریة وربما أزمة المنطقة بکاملها! فهل تصل هذه المآلات إلى نهایاتها؟ متى؟ وکیف؟
عدنان بدر حلو

 


Page Generated in 0.0070 sec