printlogo


رقم الخبر: 119682تاریخ: 1397/3/6 00:00
أوروبا العاجِزة أمام ترامب



سیلین جریزی*

إن محاولة فرنسا الجادّة فی إرضاء جمیع الأطراف باءت بالفشل وتلاشى معها دور الوساطة التی کان المراقبون یأملون لها أن تنجح، ومن هنا یبرز السؤال إلى أی مدى سیؤثّر هذا القرار على سَیْر مفاوضات السلام ومحاولات الحلحلة التی یسعى الاتحاد الأوروبی جاهداً لترسیخها فی هذه البقعة المشتعلة من العالم؟
ترامب وتقنیة الإنسحاب
لم یکن انسحاب ترامب من الاتفاق مُفاجئاً، بل أصبح مُعتاداً وأمراً متوقّعاً.. مع رئیس أصبح أنموذجاً متفرّداً فی التغرید منفرداً عمن سبقوه ومن هم حلفاء له.. والانقلاب أیضاً على الاتفاقات التی قامت بها الإدارات الإمیرکیة السابقة.. وخصوصاً إدارة سلفه أوباما.. فترامب قطع وعداً بالانسحاب من کل الاتفاقیات التی تتعارض مع المصالح الأمیرکیة أو العودة إلى التفاوض حول تغییر شروطها وکل ذلک حسب رؤیته ومعاییره الخاصة به وإدارته. فقد سبق له أن تراجع عن اتفاقیة المناخ قبل أشهر، ولم یضیّع أیة فرصة للحدیث عن ذلک مباشرة أو تلمیحاً، لکن زیارة ماکرون الأخیرة أعطت بصیصاً من الأمل فی إمکانیة نجاح الدبلوماسیة الناعمة عبر تنسیق أو تغلیب المصالح وإعمال العقل، خاصة وأن اغلب الدول الأوروبیة تربطها علاقات حیویة وجیوسیاسة مع إیران.
ترامب یلوی ذراع الاتحاد الأوروبی
یبدو أن أولى النقاط الموجِعة لنقض هذا الاتفاق بالنسبة للاتحاد الأوروبی وبالإجماع یظل الجانب الاقتصادی وإن لم یکن مقصوراً على ذلک وحسب.. فبعد توقیع الاتفاق النووی سارعت إیران إلى خلق تشبیک وعلاقات اقتصادیة کبیرة مع دول الاتحاد الأوروبی فی فترة قیاسیة وفی خطوة بدت للمراقبین مدروسة ومحسوبة وذات بُعد نظر استراتیجی.. فخلال العام الذی تلى التوقیع على الاتفاق بلغ حجم التبادلات التجاریة بین إیران والاتحاد الأوروبی ما یُضاهی الملیار دولار، وارتفعت نسبة هذه التبادُلات إلى 200% بالرغم من القیود التی لازالت مفروضة على التحرّکات المالیة الإیرانیة. وشملت شرکات عملاقة فی أکثر من دولة أوروبیة وفی أکثر من مجال وبصفقات بلغت ملیارات الدولارات... من شرکات کبرى على وزن توتال الفرنسیة ورینو وفولسفاغن الألمانیة .. وإیرباص الأوروبیة للطیران.
فما سبب اختیار ترامب لهذا التوقیت واضعاً علاقته مع الأوروبیین على المحک وضارباً عرض الحائط باتفاق استنزف أکثر من 12 سنة.. واجتماع أکثر من ست دول اشتغلت على قدمٍ وساقٍ على هذا الاتفاق لیصل إلى صیغته الحالیة وبمشارکة أمیرکا نفسها؟ لماذا لا یثق ترامب بمُراقبی مختلف الجهات الدولیة والتی تؤکّد أن إیران التزمت تنفیذ هذا الاتفاق بحذافیره؟ هل أحرج ترامب أوروبا بوضعها بین مطرقة انسحابه من الاتفاق النووی وسندان مصالحها الاقتصادیة لاسیما فی ظلّ الوضع شبه العلیل لاقتصاد الاتحاد الأوروبی والتهدید بتفکّکه وخاصة بعد خروج المملکة المتحدة؟
رغم الرسائل المُطمئنة التی بعثها ترامب إلى شرکائه الأوروبیین فی ما یتعلق بضمان الحفاظ على مصالحهم الاقتصادیة، إلا أن الغرب لا یثق کثیراً بتصریحات الرئیس الأمیرکی الدغمائیة المتکرّرة والمُتصلّبة دوماً.. ویعی تماماً أن الوعود لا تُبنى فقط على الأقوال وهذا نفس ما تفکّر به إیران التی طالبت بضمانات أوروبیة للاستمرار فی الاتفاق والمحافظة علیه.
التساؤل الذی یطرح نفسه: کیف وأین ومع مَن ستجد أوروبا نفسها؟ ومَن ستختاره شریکاً استراتیجیاً هذه المرة... ومَن سیتقلّص دوره إلى مجرّد حلیفٍ تکتیکی؟ فهل ستتّجه أنظارها نحو الصین وروسیا؟ ستظلّ الإجابة عن هذا السؤال محدّداً رئیساً فی لعبة التحالفات للمرحلة القادمة.
هل ستغامر أوروبا بتهدید علاقتها بشریکها التاریخی والاستراتیجی الهام المُتمثّل فی الولایات المتحدة الأمیرکیة والتی تربطهما علاقات مُتکاملة ومُترابطة منذ قیام هذه الأخیرة، أم ستتخلّى عمن تراه حلیفاً لابدّ منه لإدارة الأزمات والصراعات الملتهبة فی الشرق الأوسط، بل وقد یتعدّاها إلى المغرب العربی؟ إیران وفرنسا وألمانیا والمملکة المتحدة لمُناقشة الاتفاق النووی الإیرانی فی بروکسل. بعد قرار الرئیس الأمیرکی المدوّی بالانسحاب من الاتفاقیة، یستقبل وزیر خارجیة الاتحاد الأوروبی وزراء خارجیة هذه الدول، فی حین أن الأوروبیین عازمون على إنقاذ الصفقة/الاتفاقیة مع إیران.
التحالفات الدولیة الجدیدة أین ومع مَن سیصطفّ الاتحاد الأوروبی؟
روسیا والصین هل ستکونان البدیل لاسیما وأن روسیا تُعتبر شریکاً مهماً فی توفیر الطاقة، مع التذکیر بأن روسیا لا یُؤْمن جانبها کذلک، فقد سبق وأن تسبّبت فی أزمة خانِقة لأوروبا عندما أوقفت تصدیر الغاز - قیل حینها أن السبب هو عدم عدالة الأسعار!! ترامب یضع أوروبا على مُفترق طُرُق وأمام خیارات مُتعدّدة یصعب التنبوء بها، وفِی انتظار حل جذری اختارت أغلب الشرکات الأوروبیة ألا تکون بارود المدافع ولا ذخیرة الحرب الدبلوماسیة التی تلوح فی أفق العلاقات الأوروبیة الأمیرکیة، وفضّلت الانسحاب بأقل ضَرَر مُمکن فی انتظار غدٍ أفضل.. لایلوح فی آفاقه الرئیس المُغرّد ترامب ولا تصرّفاته وأفعاله التی لایتوقّعها أحد.
*أکادیمیة وکاتبة مختصة بالقضایا العربیة فی باریس

 


Page Generated in 0.0052 sec