printlogo


رقم الخبر: 118936تاریخ: 1397/2/27 00:00
کشَّاشو الحَمام لا یحدِّدون مسارات الصواریخ وأقدارها!

لقد بدا المشهد نهار 10 أیار وکأنّ الصواریخ السوریة أفقدت هؤلاء توازنهم أکثر بکثیر مما حصل فی الجانب الإسرائیلی، الذی بالتأکید یعرف خطورة ومعانی ما جرى، ولهذا فقد تصرّف وتعامل مع معادلات المواجهة بهدوء یناسب ما یعرفه عن حدود القوة وأثمان التهوّر وردود الفعل غیر المحسوبة فی منطقة شدیدة الحساسیة، فقد قرأت «إسرائیل» النقلة الهجومیة المفاجئة لسوریة وحلفائها وفهمت أبعادها ومعانیها بعد سبع سنوات من الحرب العالمیة التی لم یدّخر فیها الحلف المعادی لسوریة ایة إمکانیات من أجل تدمیرها... فإذا بها فی لحظة حاسمة تهاجم وبلا تردّد وبصورة مباشرة «قبضای الإقلیم ... إسرائیل» وبما یلاقی الانتصارات الاستراتیجیة التی حققتها سوریة بعناصر القوة التی باتت تملکها ذاتیاً أو کمحور مقاومة أو کدائرة حلفاء خلال سبع سنوات... وصولاً إلى الاستعداد لخوض حرب شاملة، بما یعنی أنّ الشروط الاستراتیجیة والعملیة لخوض تلک الحرب قد أصبح واقعاً فی ضوء ما راکمه وأبدعه الجیش السوری من بنى ومنظومات قوّة وتجربة أسطوریة فی القتال.
هذه هی الرسالة الکبرى أو السؤال العملی الذی طرحته الصواریخ السوریة بالنار ولیس کفرضیة: هل «إسرائیل» قادرة ومستعدة للذهاب إلى حرب شاملة، وهل تمتلک مسبقاً شروط حسمها کما اعتادت سابقا أم لا!؟ إذا کان الجواب نعم فالآن هی اللحظة المناسبة للمبادرة وشنّ تلک الحرب.. وغیر ذلک هو العجز والتراجع.
لقد تعاملت «إسرائیل» مع هذا السؤال المحمول على صهیل الصواریخ بغایة الجدیة، وبصورة تتجاوز أوهام وأمنیات نعاج العرب وأبقارهم التی تواصل النوم فی حظائر الغطرسة الإسرائیلیة الأمیرکیة، ویدفعون ثرواتهم مقابل وهم أنّ أمیرکا و«إسرائیل» تملکان أقدار المنطقة والعالم، بما فی ذلک الاستعداد لخوض الحرب نیابة عن ملوک الکاز.
ما حدث بعد رسائل الصواریخ الحاسمة هو أنّ «إسرائیل» وقفت وقرأت وحللت وفهمت حقیقة ما جرى... وبدون تردّد راحت تتصرف وفقاً لما تملیه حقائق المیدان.. فأعلنت: أنها غیر معنیة بالتصعید.. وأنها حققت ما ترید... وأنها تطالب المستوطنین فی شمال فلسطین والجولان المحتلین بالعودة لمنازلهم والطلاب لمدارسهم... وهکذا کان.
المضحک حدّ القهقهة فی هذا السیاق هی ردود فعل «کشَّاشی الحَمام» العرب من المحیط إلى الخلیج الفارسی... ومستوى السقوط والغباء الذی وصلوا إلیه بما فی ذلک الاعتقاد بأنّ صفیرهم وتلویحهم بالعیدان أو رقصهم بالسیف مع ترامب سیغیّر مسارات الصواریخ وأقدارها.
لقد بدت ردود فعل هؤلاء وکأنهم یعیشون فی غیبوبة تثیر السخریة، تجلى ذلک بوضوح حین لم یفهموا حتى ردود فعل حارسة أقدارهم «إسرائیل» رغم وضوحها الشدید، فراحوا یحاولون تفسیر وتبریر مواقفها وردود فعلها وصولاً إلى تقویلها ما لم تقل... وکأنهم کانوا یتمنّون فی أعماقهم أنّ هذه «العقلانیة» الإسرائیلیة هی مجرد مزحة ولیست تعبیراً عن فشل وخوف ورعب من المواجهة الحقیقیة.
لیس هذا فحسب، بل إنهم فقدوا حتى کلّ منطق بسیط فسقطوا فی التباسات السیاسة بکلّ غباء، فبدوا مجرّد هواة یثیرون السخریة والشفقة لا أکثر... تجلى ذلک حین تجاوزوا الحقائق الواضحة وراحوا یطلقون ثرثرات غبیة من نوع: أنّ الذی أطلق الصواریخ على الجولان لیست سوریة وإنما إیران، وأنّ الصواریخ السوریة تمّ تدمیرها بقبة «إسرائیل» الحدیدیة، أو أن «إسرائیل» نجحت فی تدمیر القواعد والدفاعات الجویة السوریة کلها...
ما یثیر السخریة فی هذا السیاق هو تبریر الاصطفاف المخزی لکشاشی الحمام العرب مع «إسرائیل» ومبارکة اعتداءاتها ووحشیتها ضدّ سوریة ودعمها للمجموعات الإرهابیة انطلاقاً من القناعة بأنّ ذلک هو المعادل لمواجهة التهدید «الإیرانی الصفوی الفارسی الرافضی» الذی یستهدف «الأمة العربیة» کما یقولون!
وهکذا راح هؤلاء الحمقى یسوقون التبریرات ویطلقون الشعارات بعیداً عن أیّ منطق، وبلا خجل فقط الکذب الصفیق والوقاحة التی لیس لها حدود...!
فما دامت إیران هی السبب فی مواقفهم المهینة هذه، إذن أین کانت نخوتهم قبل أن یسمع الکثیر من العرب بأنّ هناک دولة اسمها إیران... أین کان هؤلاء الفاشلون فی دروس التاریخ والجغرافیا والاجتماع فی عام نکبة العرب الکبرى عام 1948، أین کانوا أثناء العدوان الثلاثی على مصر عام 1956 وأثناء حرب حزیران عام 1967 وحرب تشرین عام 1973 هنا سیصفِّر أحد الکشّاشین ویقول: یا ناکر الجمیل ألم یوقفوا النفط...! هنا لن أعلق على هذا النفط الذی یحاولون معادلته بالدم ، لنتابع: أین کانوا أثناء غزو لبنان عام 1982 وأثناء الانتفاضة الفلسطینیة عام 1987، وأین هم الیوم من إعلان ترامب القدس عاصمة أبدیة لإسرائیل»، ولماذا لا تثور نخوتهم لفک حصار «إسرائیل» عن 2 ملیون فلسطینی محاصرین فی قطاع غزة منذ عام 2007!؟ فی کلّ هذه الأحداث والویلات لم تکن إیران حاضرة... ولا قاسمی کان مولوداً... ولا حزب الله قد بلغ سنّ الرشد بعد... ألیس کذلک!؟ لقد کشف صفیر کشّاشی الحمام العرب هؤلاء الوعی الرث الذی وصلوا إلیه وهم یتخبّطون فی کلّ شیء وعلى کلّ المستویات... فأخطأوا حتى فی ألف باء السیاسة، التی تقول إنّ من حق الدول أن تبنی التحالفات وتعقد اتفاقیات الدفاع وأن تتسلح وأن تقوم بکلّ ما یؤمّن لها شروط الصمود والانتصار... ألیس هذا ما تقوم به حلیفتهم «إسرائیل»...!؟ فلماذا یبرّرون لـ«إسرائیل» ما تقوم من ترکیم لعناصر القوة وبناء التحالفات بینما سوریة لا یحق لها ذلک...!؟
لقد وصلت هذه الصدمة وما ترتب علیها من سلوک وتصریحات حدّ التفاهة من نوع تصریحات وزیر خارجیة البحرین الذی أعلن «أنّ من حق إسرائیل الدفاع عن نفسها»...! بالإضافة إلى الأبواق الصغیرة من مهرّجی شبکات التواصل الاجتماعی الذین یقاربون السیاسة واستراتیجیات الصراع والحروب والاشتباکات بین الدول بعقلیة «کشاشی الحمام» ذاتها .. أیّ من خلال الصفیر والتلویح بالعصی والعیدان الطویلة من على السطوح والاستعداد للقسم بأنّ ما جرى هو مجرد طبخة وعملیة منسقة مع «إسرائیل» لکی یبقى النظام السوری.لهذا فإنّ الصدمة التی أحدثتها الصواریخ السوریة ترکزت بالأساس فی أعماق وعی حثالات المهزومین العرب، الذین أسّسوا منذ عقود لمنظومات مهزومة سیاسیاً وعسکریاً وثقافیاً واجتماعیاً وإعلامیاً...
بل لقد تجاوز الأمر هذا المستوى کثیراً.. فبینما کان هؤلاء الکشاشون یبرّرون فی السابق مواقفهم بعدم القدرة على هزیمة «إسرائیل» وأنّ 99 من أوراق الحلّ والحرب والسلم هی فی ید أمیرکا...
نجدهم فی هذه الأیام قد تجاوزوا هذه الفرضیة کثیراً، فذهبوا أبعد وأبعد... إنهم یرفضون الیوم حتى أیّ انتصار ملموس یحققه العرب.. إنهم یرفضون حتى الاعتراف بأنّ بالأمکان ضرب «إسرائیل» بالصواریخ حتى وهی تدک مواقع «الجیش الذی لا یُقهر».. إنهم لا یصدّقون ذلک.. ولا یریدون أن یصدّقوا.. بل ویقسمون على أنّ ذلک لم یحدث، وأنه مجرد تتمثیلیة متفق علیها... وهم من أجل ذلک مستعدّون أن یقسموا بکلّ الألهة وکأیّ کشاش حمام کاذب بالضبط أنّ صواریخ سوریة کانت مجرد ألعاب ناریة.. وأنّ صواریخ «إسرائیل» قد أبادت منظومات الدفاعات الجویة للجیش السوری... إنهم یقسمون بذلک وإلا کیف سیبرّرون رضوخهم وقبولهم بدور النعجة أو البقرة الحلوب فی مزارع أمیرکا و«إسرائیل» إذا اعترفوا بأنّ سوریة قادرة على ضرب الجیش الإسرائیلی بالصواریخ، وأنّ «إسرائیل» تبتلع الضربة وتسکت وهی غیر قادرة وغیر راغبة وغیر مستعدّة للذهاب إلى حرب مفتوحة کما کانوا یتمنّون ویتوهّمون!؟
بقلیل من التأمّل نجد أنّ المرجعیة الفکریة لهذا السلوک تعود إلى ثقافة الاستسلام والتسلیم بالهزیمة بصورة مطلقة، وبأنّ أوراق القوة والحلّ هی فی أیدی «إسرائیل» وحلیفتها الولایات المتحدة، وبالتالی فإنّ التفکیر خارج سیاق هذه المعادلة أو المسلمة هو سلوک متطرف، غیر واقعی أو عقلانی.
ثقافة الهزیمة هذه وترجماتها السیاسیة، استوطنت وعی هذا الفریق بما یتناقض مع أیّ خیار أو ثقافة تدافع عن الحقوق والکرامة والمقاومة، الوجه الآخر لهذا الموقف هو تبریر الخضوع والاستجداء والقبول بوظیفة النعاج أو الأبقار الحلوب فی حظیرة الولایات المتحدة و«إسرائیل» هکذا بلا نقاش أو تردّد.
هذا ما جرى ویجری، ورغم ذلک ستبقى فی النهایة حقائق الأرض والتاریخ والجغرافیا... وفی لحظة فاصلة ستخرج الأرض العربیة أثقالها... أما الصواریخ المدهشة فلن یحرفها کشّاشو الحمام عن مساراتها ومداراتها المرسومة فی سماء بلاد الشام وهی ذاهبة نحو أهدافها وأقدارها المحتومة.
نصار ابراهیم
 


Page Generated in 0.0053 sec