printlogo


رقم الخبر: 118836تاریخ: 1397/2/26 00:00
اُمْـدُدْ یَــدَیْــک فَــکُــلُّ شــعـبی بـایــعــک



أبو تراب کرار العاملی
   
قال له: «هل لفتَتْک أجواء ونتائج الانتخابات النیابیة فی لبنان؟»، فأجابه: «نعم، کانت مُلفِتة ومُعَبِّرة وذات مضامین مهمة تحتاج لقراءة وتأمّل یجعلان أحدَنا على بصیرة من توازنات وملابسات المجریات السیاسیة فی شِقَّیْها المحلی والإقلیمی». فعاد «الأول» لیقول: «حبَّذا لو تُفَنِّد لی العناوین الأساسیة التی استوقفتک خلال هذا العرس الانتخابی الباهر»، لیندفع «الثانی» مُسْهِباً بالکلام ومُقَسِّماً الحدیث وغارقاً بالتوصیف الذی یفرضانه سیاق المناسبة وأهمیة الحدث. فَلْنُقَسِّم الاستحقاق الى ثلاثة أقسام: قبل، خلال وبعد الانتخابات.
أما الشق الأول، فقد استشفَّیْتُ أنَّ أعداءً یحاولون الاستغلال و«الاصطیاد بالماء العکر» للولوج الى البیئة الحاضنة للمقاومة ومحاولة إغرائها بشتى السبل المتاحة لدفعها لعدم التصویت فی الاتجاه الذی یَصُب فی صالح المقاومة، وتالیاً الاستفادة من هذا العزل الخبیث - بین المقاومة وحاضنتها - وتحویله کذخیرة فی أسلحتهم الصَّدِئة التی باتت بلا رصاص وبلا فاعلیة وبلا جدوى، بل أنها باتت وَکَأنَّها تطلق الرصاص على أصحابها وحاملیها الذین لا یُجیدون الرمایة والذین أضاعوا البوصلة وأهدروا الهدف.
ورأیتُ «حزب المقاومة» یُدیر المعرکة بصلابةٍ وثبات وقوة وعزیمة، وأخلاق راقیة ومسلکیة مرموقة وثقة عالیة بشعبه وجمهوره وقاعدته وحاضنته، مع ماکینة انتخابیة نَشِطة وفعّالة تعمل بجدٍّ واجتهاد ومثابرة وإخلاص وَهِمّةٍ عالیة وکفاءة مشهودة. کما لفتنی أنه من بین المهرجانات الانتخابیة التی أقامها، أقام واحداً - فی إحدى الدوائر - حیث لا یوجد له مرشح من کوادره المُنتمین مباشرة الى تشکیلاته التنظیمیة وإن کان یوجد مَنْ ینتمی الى حلیفه الراسخ والاستراتیجی، وهذا له دلالته فی الحیاة السیاسیة المتنوعة الطوائف والانتماءات.
کما لاحظتُ تحالفاً راسخاً قَلَّ نظیره بین «حِزْبَیْن مُتحالِفَیْن» أَیّما تحالف، وَکَأَنَّهما حزبٌ واحدٌ حیث أفراده وکوادره یتفاهمون بِأسْلَسِ ما یکون، ویتفقون ویخططون فَیُشَکِّلون ثُنائیّاً یُضرَب به المثال فی عالم الأحزاب السیاسیة والتحالفات المشترکة، الاستراتیجیة منها وصولاً الى الأضیق فالأضیق.
کان مُلفتاً الوضع بالنسبة لدائرة «بعلبک – الهرمل» یا صدیقی، حیث اکتسبت وَقْعاً خاصّاً وممیزاً، لما ظهر من اهتمام – لدى بعض المناوئین لبیئة المقاومة - کی یخطفوا مقعداً «شیعیّاً» من هذه المنطقة التی تُعتَبر «خزّان المقاومة»، ولکن هیهات یا صاح هیهات، وألف هیهات وهیهات، فأهل هذه المنطقة الشرفاء والأوفیاء کانوا على موعد جدید من الوعی ومحطة متجددة من الإدراک والمسؤولیة، ولک أن ترى الترنیمة الرائعة التی رُوِّج لها قبل المهرجان الانتخابی فی هذه المنطقة، حیث انتشرت بعض الصور التی تُظهِر معانی رائعة - تخاطب سماحة «الأمین العام» قبل ٳطلالته الکریمة فی المهرجان - ومفادها أنَّ «الدار دارک»، فیا له من تعاطف وجدانیّ یخرق الأفئدة ویثقب فیها شلالات من دموع المحبة لهذا الإبداع الرائع فی الوفاء وإیصال الرسائل الى الأعداء المتربصین بنا سوءا.
توقَّفَ قلیلاً عن السَّرد لیتأکد من صدیقه إذا أصابه مللٌ جرّاء هذا الإسهاب، لیأتیه الرد واضحاً وحازماً «أبداً أبدا، فأنا متشوق لمعرفة الشّقَّیْن الآخَرَیْن، فَهَلّا تفضّلتَ علیَّ بالمزید؟»، لِیُعاود «الثانی» مُکْمِلاً «أما الشق الثانی، خلال الانتخابات، فلاحظتُ إقبالاً شدیداً للاقتراع ورغبة ملحوظة ومُحتَرَمة لإیصال الصوت والکلمة، وحماساً مُعَبِّراً ذا رسائل مهمة توحی بأننا فی ساحة من سوح المواجهة والنزال، وحیث لا وجود لمنافسٍ حقیقی یمکن له الصمود فضلاً عن الانتصار فی وجه إبداعات هذه البیئة المبارکة. ومن أهم ما تصدّر المشهد خلال فترة الاقتراع، هو الإقبال الملحوظ من قِبَل الجرحى لِیُدلوا بأصواتهم، فهذا یمشی على کرسی متحرک، وذاک یستعین بـ «عکّازتَیْن» وبعض الإخوة الکرام. کما لوحِظَ متقدمون فی السّنّ یأتون لیقترعوا، وفی هذا السیاق شَدّنی منظرٌ مهم حیث تظهر عجوزة مُستلقیة على فراش المرض - أو ما شابه - آتیة بمعونة أصحاب الخیر کی تُثبِت حضورها ولسان حالها أن الشَّیْب والعَجْز البدنی لن یحولا دون إثبات وجودنا وإعلاء کلمتنا بأننا حاضرون جاهزون وبمختلف الفئات العمریة.
وها نحن نصل الى مِسْک الختام، الى الشق الثالث - فترة ما بعد الانتخابات، حیث النتائج الباهرة التی حققها «الثنائی الشیعی الوطنی»، والفوز الکاسح والشامل للمقاعد الشیعیة. فأثبت «الجنوب» أنه راسخ کجباله العاتیة، وعَصِیٌّ على أن یُخرَق، وأنه على أتم الجهوزیة للمواجهة بِوَجْهَیْها العسکری والسیاسی، وأنه عنوان للصمود والانتصار والتألق والارتقاء، فطوبى لهذه الأرض المقدسة - جبل عامل - وجمیع أهلها المقاومین الشجعان، الثابتین کثبوت أشجارها والبرّاقین کلمعان ثمارها. وأظهرت «العاصمة» أنها فی خندقنا، خندق العروبة والمقاومة، تُرَتِّل على ذات ألحانٍ قادمةٍ من جبال «الجنوب» ونفحاته وتنسیماته. وتحیة الى «البقاع الغربی» الذی لم یتوانَ بإثبات وجوده المقاوم وحضوره الشریف، فکان على الموعد وأوصل الرسالة لِمَن یعنیهم الأمر وأکّد ماهیّة انتمائه وهواه.
 واسمح لی یا صدیقی، وأنا ابن الجنوب وجبل عامل، أن أتوقف قلیلاً عند أهلنا وأحبَّتنا وأعزّائنا فی «بعلبک – الهرمل»، حیث المعرکة هناک أخذت منحى معین، إلا أن أهلنا هناک لم یترددوا عن عزف معزوفة عابرة القلوب لتخترق أفئدة الأوفیاء فی کل مکان فتعطی دروساً فی ترانیم الثبات والولاء وعدم الانجرار، ولیُثبِتوا بحق أنهم خزان المقاومة وحاملو لوائها. فتحیة لهم، من أرض الجنوب ومروراً بجبال لبنان وهضابه وسهوله، وألف سلام وسلام وسلام».
جرت دموع «الأول» على خدَّیْه مُتأثراً تأثّر المسرورین، قبل أن یعود «الثانی» - الذی بدوره تبللت وَجنتاه - لیُکمل ویقول: بِقیَت نقطتان لا بأس بالإشارة إلیهما:
- الإطلالة الهادئة والموزونة لسماحة «الأمین العام»، مع ما حققه وشعبُه ومحبوه من انتصار ساحق وملفت، لیتناول الأمور - کعادته - من منظار الحریص على وطنه وشعبه بالأجمع، ولیستفید من الانتصار بما فیه الخیر والصلاح للجمیع، وهذه بعض من مواصفات ومسلکیات القائد الشجاع والمخلص.
- المتابعة المعتبَرة مِنْ قِبَل أوساط العدو لإنتخاباتنا المحلیة، وهو شیء طبیعی ومُتَوَقَّع، فَنُقِل عن مستشرق إسرائیلی قوله: «إنّ حزب الله حقق انتصارا کبیرا، لم یکُن یتوقعّه أحدٌ فی الانتخابات، فیما خسر تیّار المُستقبل، بقیادة رئیس الوزراء سعد الحریری، خسارةً مؤلمةً وقاسیّة، عندما فقد أکثر من 13 مقعدا فی مجلس النوّاب، مُقارنةً مع العدد الذی حصل علیه فی انتخابات العام 2009».
کما نُقِلَ عن جهة صحفیة غربیة قولها (إن حزب الله المدعوم من إیران حاز أغلبیة الأصوات فی البرلمان بعدما خاض الانتخابات ضمن تحالف مع الحزب المسیحی الذی یتزعمه الرئیس میشیل عون وحرکة أمل الشیعیة أمنت لهذا التکتل 67 من بین مقاعد البرلمان البالغ عددها 128 مقعدا).
ها قد أفَضْتُ علیک یا صدیقی ما رأیتُه ولاحظتُه على هامش المتابعات لهذا الاستحقاق المهم والمؤثر، فما تعلیقک؟.
لِیُجیب «الأول» برؤیة واضحة وطمأنینة مُطلقة ماذا عسانا نقول غیر أننا کنا أمام عرس انتخابی رائع بصورته العامة، ورائع لأنه زَفَّ لنا عِرِّیساً اسمه «مقاومة»، التی تصدّرت المشهد کبطل لا یُقهَر، وَکًأنّی بلسان حال أهلنا الشرفاء، أهل الثبات والوفاء، یُرَدِّد قول الراحل «عمر الفرّا» قائلاً لسید المقاومة: «اُمْدُدْ یَدَیْک فَکُلُّ شعبی بایعک».
«ولقد کتبنا فی الزبور من بعد الذکر أن الأرض یرثها عبادی الصالحون».
 

 


Page Generated in 0.0055 sec